في الوقت الذي كان رفعت الأسد مسيطراً على كل مرافق الدولة كونه أخ الرئيس وحامي نظامه ومتصرفاً بالبلاد دون مسائلة من أحد من سنة 1980 حتى سنة 1984 ، موجهاً اهتمامه الى سرقة آثار مدينة تدمر وبيعها الى حسابه بمبالغ كبيرة جعلت منه صاحب الملايين ، كان ذلك يجري أمام أعين أخيه الرئيس … فقد كان عالماً بذلك وموافقاً عليه ، لقد كانت العلاقات ودية بين الأخوين فرفعت هو الحامي الحقيقي لنظام حافظ الأسد ، الا أنه كان أمل رفعت أبعد من ذلك فكان يعتبر نفسه الوريث الشرعي لأخية ، لأن أبناء الرئيس ما زالوا تحت السن القانوني لتسلم الرئاسة ، الا أنه في سنة 1984 دب الخلاف بين الشقيقين الرئيس حافظ الأسد واللواء رفعت .
حشد رفعت 40 الف جندي واحتل دمشق محاصرا ، وفي المقابل استنفر كبار الضباط المؤيدين للرئيس الأسد وكاد الزمام يفلت من يد الرئيس وتدور الاشتباكات بين مؤدي الفريقين فيغرق النظام في الفوضى وتدمر دمشق ، تدخلت الأم ” ناعسة ” لرأب الصدع بين ابنيها وتسوية الخلاف بينهما من جهة ، واتصل الرئيس الليبي معمر القذافي بحليفه حافظ مطمئناً وعمل على استرضاء رفعت ، مقدماً له هدية شيك بقيمة 200 مليون دولار لقبول التسوية ، وكذلك تدخل المسؤولين السوفيات لحل هذا النزاع ، كون سورية في ذلك الوقت هي الحصان الرابح لدى السوفيات في منطقة الشرق الأوسط والحليف القوي والوحيد لديهم ، فطلبوا من رفعت وكبار الضبط من جماعته ومن مؤيدي الرئيس القيام بزيارة الى موسكو لتسوية الخلاف .
كانت خطة مبيتة من الرئيس الأسد والسوفيات ، فبعد وصولهم الى موسكو سمح السوفيات للجميع العودة الى دمشق ما عدا رفعت ، الذي بقي لاجئا في موسكو ثم انتقل الى باريس وأصبح من كبار المستثمرين في أوروبا لأمواله المنهوبة من البلاد ، وعادت الأمور الى طبيعتها بعد الخلاص من رفعت وعدم السماح له بالعودة الى سوريا ، وبدأت حقبة أبناء حافظ الأسد : كان أبناء الرئيس وعددهم خمسة بنت واحدة وأربعة أبناء هم بشرى وباسل وبشار وماهر ومجد ، ولاستمرارية الحكم والنظام وجب تهيئة بديل لرفعت لوراثة الحكم ، فكان لا بد من توريث أكبر أبناء حافظ الأسد وهو باسل ، الا أن عمره كان لا يتجوز 32 عاما ، فهو من مواليد 1962 .
كان باسل شاباً ناجحاً ومثقفاً ومتعلماً وفارساً كبيراً … وحاصل على شهادات في الفروسية ، وكان في الواقع أمل والده وأحب أبنائه اليه لدرجة العشق ، كان الرئيس ملازمه بكل تصرفاته موجهاً الصحافة الى نشر أخباره وتلميع صورته ومتابعة تحركاته ، فأطلقوا عليه اسم ” الفارس الذهبي ” وانتشرت تماثيله في الميادين الرئيسية في البلاد ، ثم عينه والده قائداً للواء الحرس الجمهوري ، ووجهه للعمل السياسي …بدأ باسل بالإصلاحات الإدارية ومكافحة الفساد ومقابلة المسؤولين من الزوار الأجانب ، تنبأ الجميع أن باسل هو الرئيس القادم لسورية فأصبح لقب الرئيس أبو باسل هو المحبب لوالده بعدما كان يكنى بأبي سليمان ، وذلك تكريما للرئيس القادم .
الا أن القدر كان فوق الجميع وكان له بالمرصاد والله غالب على أمره ، ففي الصباح الباكر لأحد الأيام وكان باسل يقود سيارته القوية والسريعة وهو من محبي المغامرات ، وكان في طريقه الى المطار للقيام بزيارة الى المانيا ، وبثقة كبيرة بالنفس وبسرعة جنونية اصطدمت سيارته بحاجز مستديرة المطار وكانت الضربة القاضية عليه فقتل بعد أن تحطمت سيارته وهو في داخلها .
كان موت باسل هو الضربة القاصمة لحافظ الأسد ، فجاءت تقارير من الموساد أن الرئيس أصيب بشيء من الخرف نتيجة لموت باسل ، جراء اكتئابه وحزنه على ابنه فأصيب بالخرف الجزئي واصبح غير سوي عقلياً ، وجاءت التقارير بأنه في محادثات السلام السرية بينه وبين اسحق رابين ، كان الرئيس الأسد لا يملك التركيز الكافي وكان يقول كلام غريب ويتصرف تصرفات عجيبة ، ولا يرد تماما على ما يطلب منه ولا يستوعب كما يجب ، ومع ذلك كان مركزا بحالة واحدة هي أن الحكم سيورث على الأكيد …
فأرسل الرئيس واستقدم ابنه بشار من لندن الذي كان يدرس طب العيون في أحد جامعاتها ، وحسب تقرير عملاء الموساد التي تذكر أن اختيار بشار كان غير متوقع وليس ناجحاً ولا موفقاً ، وكان جميع المراقبين يتوقعون أن يتم اختيار الرئيس على ابنه ماهر ، لأنه كان ضابطاً مقداماً وقائداً للفرقة الرابعة في الجيش ، وكان يصغر بشار بسنتين فقط ، كان ماهر يعيش أجواء الحكم تماما ، في حين أن بشار كان بعيدا عن الحكم وليس لديه أي فكرة عن شؤونه وعن الأوضاع السياسية في البلاد وكان لديه مشاكل نفسية ويتهته بالكلام ويرفرف في النظر .
لكن الاختيار تم ورأي الرئيس هو الذي سينفذ ، وما أن انتشر الخبر بين الناس حتى رفعت صور بشار وأغرقت البلد بها وأصبح حديث الاعلام والصحافة وانتشرت سيرته وقدراته في البلاد ، فصعدت أهمية بشار في حين أن الرئيس والده أصيب بسرطان الدم الى أن مات يوم 10 حزيران سنة 2000 وبدأ عصر بشار الأسد .


