الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الشارع صامت… لكن الغضب يتخمّر: ماذا ينتظر اللبنانيون؟

كارولين ياغي

في لبنان، كل شيء يوحي بالعجز، لكن لا شيء يؤكّد النهاية. الشارع ساكن، لا يُسمع فيه سوى ضجيج الحياة اليومية، وإيقاع التعب الذي تسلّل إلى تفاصيل العيش. لم نشهد منذ سنوات احتجاجات واسعة أو تحرّكات شعبية منظمة، اختفت الخيم من الساحات، وغابت الهتافات من الشوارع، وكأن الناس انسحبوا بصمت من المشهد العام. ومع ذلك، خلف هذا الهدوء المديد، يتخمّر غضب صامت، لا يُعبّر عن نفسه علنًا، لكنه حاضر، ثقيل، ينتظر لحظة مناسبة ليطفو على السطح من جديد.

لقد خفتت الأصوات التي ملأت الشوارع ذات خريف، لا لأن الوجع خفّ، بل لأن الرهانات خابت. كثيرون تعبوا من الاحتجاج، لا لأنهم غير معنيين، بل لأنهم لم يجدوا في صراخهم نتيجة. تكرّرت المحاولات، وتعثّرت الأحلام، وتحوّلت الآمال إلى خيبات، سواء عبر فشل التغيير من داخل المؤسسات، أو عبر تشرذم قوى المعارضة، أو ببساطة لأن لا شيء في النظام الحالي يسمح بتحول جذري من دون صدام.

في المقابل، تتعامل السلطة بكل وجوهها مع الصمت الشعبي بوهم الرضا أو بقراءة مريحة تبرّر بقاء الأمور على ما هي عليه. لكن هذا الصمت ليس علامة قبول، بل استنزاف. اللبنانيون لم يتوقفوا عن الغضب، بل تكيّفوا معه كأحد أشكال البقاء. وهذا الغضب، إذ لا يُصرَّف في الشارع بل في الهجرة والسخرية واللا انتماء والكفر بكل منظومة الدولة.

كذلك، فإن الأمان الظاهر ليس بالضرورة مؤشّر استقرار. تتفاقم الأزمات وتزداد التفاوتات ويتعمّق الانقسام بين من يستطيع التكيّف ومن لا يملك الوسائل. وفي بلد يفتقد العدالة الاجتماعية والسياسية، يكون الصمت في أحيان كثيرة مقدّمة لإنفجار غير محسوب، لا يشبه التحركات السابقة، ولا يمكن التحكّم بنتائجه.

لا يعلّق اللبنانيون اليوم آمالًا كبرى على المبادرات السياسية، ولا يثقون كثيرًا بالوعود المتكررة بالإصلاح. حتى مع تغيّر الوجوه في السلطة، يبقى الشعور العام أن اللعبة لم تتغيّر، وأن جوهر النظام لا يزال على حاله. لم يعد الرهان على الأسماء، بل على المسارات والإرادة السياسية وتحوّل فعلي في قواعد الحكم وفي آليات المحاسبة، وفي معنى الدولة نفسها. وإلى أن يتحقّق ذلك، يبقى الغضب في الخلفية، يتغذّى من الإحباط، ويتراكم بصمت، لكنه لا يختفي.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...