الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الشارع صامت… لكن الغضب يتخمّر: ماذا ينتظر اللبنانيون؟

كارولين ياغي

في لبنان، كل شيء يوحي بالعجز، لكن لا شيء يؤكّد النهاية. الشارع ساكن، لا يُسمع فيه سوى ضجيج الحياة اليومية، وإيقاع التعب الذي تسلّل إلى تفاصيل العيش. لم نشهد منذ سنوات احتجاجات واسعة أو تحرّكات شعبية منظمة، اختفت الخيم من الساحات، وغابت الهتافات من الشوارع، وكأن الناس انسحبوا بصمت من المشهد العام. ومع ذلك، خلف هذا الهدوء المديد، يتخمّر غضب صامت، لا يُعبّر عن نفسه علنًا، لكنه حاضر، ثقيل، ينتظر لحظة مناسبة ليطفو على السطح من جديد.

لقد خفتت الأصوات التي ملأت الشوارع ذات خريف، لا لأن الوجع خفّ، بل لأن الرهانات خابت. كثيرون تعبوا من الاحتجاج، لا لأنهم غير معنيين، بل لأنهم لم يجدوا في صراخهم نتيجة. تكرّرت المحاولات، وتعثّرت الأحلام، وتحوّلت الآمال إلى خيبات، سواء عبر فشل التغيير من داخل المؤسسات، أو عبر تشرذم قوى المعارضة، أو ببساطة لأن لا شيء في النظام الحالي يسمح بتحول جذري من دون صدام.

في المقابل، تتعامل السلطة بكل وجوهها مع الصمت الشعبي بوهم الرضا أو بقراءة مريحة تبرّر بقاء الأمور على ما هي عليه. لكن هذا الصمت ليس علامة قبول، بل استنزاف. اللبنانيون لم يتوقفوا عن الغضب، بل تكيّفوا معه كأحد أشكال البقاء. وهذا الغضب، إذ لا يُصرَّف في الشارع بل في الهجرة والسخرية واللا انتماء والكفر بكل منظومة الدولة.

كذلك، فإن الأمان الظاهر ليس بالضرورة مؤشّر استقرار. تتفاقم الأزمات وتزداد التفاوتات ويتعمّق الانقسام بين من يستطيع التكيّف ومن لا يملك الوسائل. وفي بلد يفتقد العدالة الاجتماعية والسياسية، يكون الصمت في أحيان كثيرة مقدّمة لإنفجار غير محسوب، لا يشبه التحركات السابقة، ولا يمكن التحكّم بنتائجه.

لا يعلّق اللبنانيون اليوم آمالًا كبرى على المبادرات السياسية، ولا يثقون كثيرًا بالوعود المتكررة بالإصلاح. حتى مع تغيّر الوجوه في السلطة، يبقى الشعور العام أن اللعبة لم تتغيّر، وأن جوهر النظام لا يزال على حاله. لم يعد الرهان على الأسماء، بل على المسارات والإرادة السياسية وتحوّل فعلي في قواعد الحكم وفي آليات المحاسبة، وفي معنى الدولة نفسها. وإلى أن يتحقّق ذلك، يبقى الغضب في الخلفية، يتغذّى من الإحباط، ويتراكم بصمت، لكنه لا يختفي.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...