الخميس، 6 أغسطس 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الشيعة والدولة في لبنان: مسار الانخراط والخيبات.

مقالة الأستاذ حسن صبرا، المنشورة في مجلة الشراع٦ بعنوان “حسن صبرا والجيش”، ليست تفصيلاً بيوغرافيًا بسيطًا، لأنها تختزن تجربة جيلٍ كاملٍ عاشها أكثرنا منذ ستينيات القرن الماضي. وهي، في أحد وجوهها، تختصر علاقة الشيعة اللبنانيين بدولتهم

لقد استبق الشيعة إعلان لبنان الكبير في أيلول 1920 بمؤتمر الحجير الذي عُقد في نيسان من العام ذاته، والذي أكدوا فيه رفضهم الانتداب الفرنسي وتقسيماته وتمسّكهم بالانتماء العربي وتأييدهم لمشروع الملك فيصل.

ومع تثبيت الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا، وكسر مقاومة المشروع الغربي، وإجهاض الدولة العربية، استدار العقلاء، أو البراغماتيون، من الزعماء الشيعة وكذلك العامة منهم، نحو القبول والمشاركة، المتواضعة، في عملية بناء الدولة الناشئة تحت الانتداب، ومن ثم دولة الاستقلال.

وبعد عقود، التفّ أحفادهم حول جمال عبد الناصر ومشروعه العروبي الطموح من المحيط إلى الخليج، وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر ، إلى أن سقط هذا الطموح بنكسة 1967. فتفاعل العامليون مع الواقع الجديد منذ عام 1969، بانخراطهم في مشروع مقاومة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وقدموا الغالي والنفيس نصرةً للقضية، التي تراجعت بدورها وسقطت داخل المراكب التي حملت ياسر عرفات وذهبت به بعيدًا عن الساحة اللبنانية. ولم يسقط التزامنا بها بل عاد وانبعث بقوة أكبر إلى ان وصلنا إلى ما وصلنا اليه اليوم.

وقبل الدخول في مراجعة أسباب ونتائج مآسينا الممتدة منذ المماليك والعثمانيين وصولًا إلى الانتداب، وظلم ذوي القربى، وانتهاءً بما نعيشه اليوم من نكبة كبرى، أودّ عدم الابتعاد كثيرًا في التاريخ ، عندما أسترجع آلامنا بل سأكتفي بالإضاءة والكلام عن احد أسباب القلق والمعاناة عندنا وهو علاقة الشيعة بالدولة، والتذبذب بين الانخراط والخيبات.

مع بداياتها، قلّصت الدولة الفرص أمام أهل الجنوب، واعتبرته وكأنه حديقة داخلية لا أهمية لها، وكان ذلك سبباً لابتعادنا عنها، واستقبال الشعارات الوطنية الوافدة بحماس، ووضع أيدينا بيد كل من يرفع شعار مقاومة الظلم والاستبداد.

بعض المتنورين في النظام اللبناني وجدوا مصلحة في إدخال الشيعة إلى الدولة. وقد بدأ ذلك وإن بخجل، لا سيما بعد انتشار التعليم الرسمي، وصعود الجامعة اللبنانية وازدهارها، فكان ان فتحت أمام الشباب العاملي أولى بوابات التنوير المعاصر . لنكتشف بعد ذلك أن الشهادة والعصامية لا تكفيان وحدهما لولوج الدولة عبر الوظيفة العامة العالية والمرموقة، كالجيش والقضاء وغيرها.

والقصة المعبّرة التي رواها الأستاذ حسن صبرا عن محاولته دخول المدرسة الحربية هي نفسها حصلت معي، إذ فشلتُ، كما فشل هو، في امتحان الصحة. وقد أخبرت هذه الحكاية لضباط مدرسة الأركان عندما دعوتهم جميعًا، من موقعي كعميد لكلية العلوم في الجامعة اللبنانية ، إلى زيارتها والاطلاع على سير الأعمال البحثية والتعليمية فيها، ولاحظت الابتسامة المُعبّرة على وجوههم جميعًا.

لم يبقَ لي، كما لغيري من آلاف الشباب العاملي، سوى الجامعة اللبنانية، التي لعبت، وما تزال، دورًا لا بديل عنه في بناء الإنسان وبناء الوطن الحرّ السيد المستقل، وسيكون لنا حديث آخر عن أهميتها ودورها في الحفاظ على الكيان الوطني.

لقد أدرك الإمام موسى الصدر أهمية لبنان الكبير بالنسبة للشيعة اللبنانيين، فأطلق شعاره الشهير، الذي أصبح جزءًا من الدستور اللبناني: “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”، وكأنه بذلك يسدل الستار ويقفل الحدود الخارجية أمام تطلعات ومطالبات الحماية وتعزيز الدور لجميع الطوائف ، والشيعة ضمنًا.

واستطاع بنجاح أن ينقل الصراع الداخلي من صراع على الهويات إلى صراع على السياسات. وقد استكمل الإمام محمد مهدي شمس الدين الطريق بوصاياه التي تتردد، وتصلح كخريطة طريق لبناء الدولة الوطنية والانخراط في بنيتها كمواطنين لا كمكوّنات أو طوائف.

ولولا لعنة الجغرافيا والحدود، لكان لبنان قد بدأ رحلة التعافي الوطني. لكن ورغم ظروف الحرب وعدم الاستقرار، واستكمالًا لما بدأه الإمام الصدر، سعى الرئيس نبيه بري إلى ترجمة دخول الشيعة إلى الدولة بفتح أبواب وظائفها مشرّعة أمامهم وأمام كل متفوق، والأهم أنه أدخل الدولة إلى الجنوب عبر مشاريع العمران، كالمدرسة والجامعة والمستشفى والطريق والسرايا الحكومية وغيرها.

إن طفرة الاستقرار والرخاء التي عشناها بوجود الدولة على ارض الجنوب وبوجود وفرة من المتعلمين والموظفين والحرفيين ورجال الأعمال والمغتربين تتعرض اليوم لاهتزاز عميق، بل تفجير وتجريف عميقين تزيد من خطورة ذلك لعنة الجغرافيا السياسية، والأطماع الصهيونية، والقراءة غير المتأنية للواقع من الصديق والحليف، مما يعمّق المأساة التي نمرّ بها ، ويبعد الحلول المرجوة.ويضع مستقبلنا في مهب الريح

إن كل الشعارات التي رُفعت وما تزال، وكل الوعود التي نُخدَّر بها شعبنا، قد تزيد من آلامه وتدفع القادرين إلى الهجرة وتُبقي الباقين في بؤس وألم وإحباط.

لماذا نكرر نفس المحاولة على أمل نتائج مغايرة، فهذا لن يحدث، بل علينا ان نرفع الصوت بوجه الجميع، بأننا وصلنا إلى قمة العطاء والتضحية والنزف المتواصل ، ولم نعد قادرين على البذل أكثر، فلنوقف المأساة بأي ثمن، لأن من سينتقد تعبير “أي ثمن” سيكتشف لاحقًا أن الثمن الذي قد ندفعه اليوم سيكون أقل مما سندفعه لاحقًا، وتجارب السنتين الماضيتين تؤكد ذلك

المشروع الذي تأسس طيلة عقود يضعف، كما تلاشى من قبل مشروع أدهم خنجر في مقارعة الفرنسيين، أو مشروع منظمة التحرير في جنوبنا المعذب. فلنبحث عن طريق آخر يعيدنا إلى قرانا ويحرر ارضنا بعيداً عن شكل المعارك التي لا تنتهي، ولا تنتج.
وحتى لا يُقال يومًا:

كان هناك ارض تعرف باسم جبل عامل، وكان يعيش سكانها برغد وطمأنينة، وشبه سلام إلى أن وقعت حرب تشتتوا بسببها في أصقاع الأرض، فضاعوا وضاع تاريخهم، و….المستقبل

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

وجهتا نظر فلسطينية حول حماس و غزة والسلاح

تناقلت وسائل إعلامٍ إسرائيلية خبراً يفيد بأن مجلس السلام بصدد القيام بعمليةٍ تسهّل التخلص من سلاح حماس، وذلك بشرائه. ولم يحدد السعر لكل مسدسٍ أو بندقية، ولكن قيل إنه سيكون مرتفعاً...

وجهتا نظر فلسطينية حول حماس و غزة والسلاح

اثار مقال الشراع الذي نشرناه بعد إعلان بدء تنفيذ اتفاق ايار بلسان دونالد ترامب وجعلنا عنوانه “قرار حماس ضربة معلم “، اهتماماً فلسطينياًكبيرا ، خصوصاً بعد ان حاول...

عقدة جبل عامل في المفهوم الصهيوني... لماذا ينتقم العدو الإسرائيلي من قرى وبلدات جبل عامل؟

كلما امتدت يد العدوان الإسرائيلي إلى قرى جبل عامل، عاد السؤال يفرض نفسه بإلحاح: ما الذي يجعل هذه البقعة الصغيرة من لبنان تستأثر بهذا القدر من الحقد، وتتكرر في خرائط الاستهداف...

انفجار ٤ آب... جريمة العصر وأين المحاسبة؟

مرت سنوات والغبار بعد ما نزل. والوجع بعدو بكل بيت ببيروت. انفجار مرفأ بيروت ليس حادثاً. إنه جريمة موصوفة. ما الذي حصل؟ 2750 طن من نيترات الأمونيوم. مخزنة بقلب العاصمة، بقلب...

جورج حبش في مئويته

همومنا كثيرةٌ وثقيلة، غير أنها لا تُشغلنا عن استذكار رجالٍ ونساء، أسسوا الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ بداية القضية في أوائل القرن الماضي، وما زال فعلهم هو المرشد القوي والأمين...

٤ آب… ثِقْلُ زمنٍ لا يمرّ

ستّ سنوات على جريمة مرفأ بيروت. ستّ سنوات والحقيقة لم تظهر كاملة، والعدالة لم تتحقّق، وعائلات الضحايا تعيش الفقد كلّ يوم، فيما يحمل المصابون آثار الجريمة في أجسادهم وأرواحهم. هذه...