الأربعاء، 24 يونيو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

القانونُ الدَّوليّ… حينَ يُكْتَبُ بِالحِبْرِ ويُطَبَّقُ بِالقُوَّة

في الكُتُبِ والمواثيقِ الدَّوليّة، يَبدو العالَمُ مُنظَّماً تَحكُمُهُ القَوانينُ والاتّفاقيّات، وتَحميه مُؤسَّساتٌ أُنشِئَت بعد الحُروب الكُبرى لِحِفظِ السِّلمِ وحُقوقِ الشُّعوب. لكنَّ الواقِع، في كثيرٍ من الأحيان، يَكشِفُ فَجوةً واسعةً بين ما يُكتَبُ بِالحِبر على الوَرَق، وما يُفرَضُ فعليّاً بِالقُوَّة على الأرض.

لقد خَرَجَ العالَمُ من أهوالِ الحرب العالمية الأولى ثمّ الحرب العالمية الثانية وهو يُعلِنُ أنَّ زَمَنَ الحُروبِ المُدمِّرة يجب أن يَنتهي، وأنَّ نِظاماً دَوليّاً جديداً سيقومُ على القانونِ والمؤسَّسات. ومن هنا ظَهَرَت مُنظَّماتٌ دَوليّة، وأُقِرَّت مواثيقُ لِحُقوقِ الإنسان، وأصبح الحديثُ عن القانونِ الدَّوليّ جزءاً أساسيّاً من الخِطابِ السّياسيّ العالَميّ.

لكنَّ السُّؤالَ الذي يَتكرَّرُ في كلِّ أَزمةٍ كُبرى هو ، مَن يُطَبِّقُ هذا القانون… وكيف؟

فالواقِعُ يُظهِرُ أنّ القَواعدَ نفسَها قد تُفسَّرُ بطرقٍ مُختلِفة، بحسب مَوازينِ القُوّة. وفي عالَمٍ تتفاوتُ فيه القُدراتُ العسكريّة والاقتصاديّة بشكلٍ كبير، يُصبِحُ تَنفيذُ القَراراتِ الدَّوليّة مُرتبطاً أحياناً بقدرةِ الدُّولِ على فَرضِها… أو مَنعِها.

ولهذا يرى كثيرون أنَّ النِّظامَ الدَّوليّ يَعيشُ دائماً بين مَبدئين مُتوازيين، مَبدأِ القانُون… ومَبدأِ القُوّة.

وحينَ يَتوازنُ هذانِ المَبدآن، يُمكِنُ للقانون أن يَلعبَ دَوراً حقيقيّاً في تَنظيمِ العَلاقاتِ بين الدُّول. أمّا عندما يَختلُّ هذا التَّوازن، فإنَّ القُوّة تُصبِحُ العامِلَ الحاسِم في تَحديدِ ما يُطَبَّق… وما يَبقى حِبراً على وَرَق.

إنَّ قضايا عديدة في العالَم تُذَكِّرُنا بهذه الحقيقة، من النِّقاشاتِ الدَّوليّة حول أوضاعِ شُعوبٍ مثل الروهينغا و الإيغور، إلى الصِّراعِ الطَّويل في فلسطين، حيثُ تَتداخَلُ الاعتباراتُ السّياسيّةُ والقانونيّةُ والإنسانيّة في مَشهدٍ شديدِ التَّعقيد.

هذه الأمثلة لا تَعني أنَّ القانونَ الدَّوليّ بلا قيمة، بل تَعني أنّه يَحتاجُ دائماً إلى تَوازنٍ في القُوّة حتى يكونَ قابِلاً لِلتَّطبيق.

فالقانونُ، مهما كان مُتقدِّماً، يَبقى إطاراً نَظريّاً يُنظِّمُ العَلاقات.
أمّا القُدرةُ على فَرضِ احترامِه، فَتحتاجُ إلى إرادةٍ سياسيّةٍ وقُوّةٍ قادِرةٍ على حِمايته.

ولهذا فإنَّ الدُّولَ التي تَسعى إلى حِمايةِ سِيادتِها لا تَكتفي بالاعتمادِ على النُّصوصِ القانونيّة وحدَها، بل تَعملُ أيضاً على بِنـاءِ اقتصادٍ قويّ، ومُؤسَّساتٍ فاعِلة، وقُدرةٍ على التَّأثير في مُحيطِها الإقليميّ والدَّوليّ.

ففي النِّهاية، يَبقى الدَّرسُ الذي يُكرِّرُه التَّاريخ واضحاً:

القوانينُ قد تُكتَبُ بِالحِبر…
لكنَّ احترامَها في عالَمِ السِّياسةِ غالباً ما يُحسَمُ بِميزانِ القُوّة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

إيران والولايات المتحدة... المعركة بين السلاح والتفاوض

يمكن للمتابع أن يقول الكثير في نتائج المعركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، وهي المعركة التي بدأت آخر فصولها في 28 / 2 / 2026، والتي لم تنته حتى...

هكذا فازت إيران

أكتب هذه السطور قبل التوقيع الرسمى النهائى فى “سويسرا” على مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية ، وكان قد جرى التوقيع الإلكترونى المتبادل عبر الوساطة الباكستانية المعززة...

تاجر العقارات في سوق السجّاد العجمي!

في واشنطن، لم تعد السياسة الخارجية تُصنع في الغرف المغلقة لمجلس الأمن القومي، بل أصبحت تُطبخ على عجل في كواليس منصة “تروث سوشال” بين تغريدة وأخرى. يبدو أن الرئيس...

مونديال الأغنياء… وماذا استفاد لبنان من منح الجنسية اللبنانية لجياني إنفانتينو؟

لست من عشاق كرة القدم، ولا يشغلني كثيراً من سيرفع الكأس أو من سيحقق اللقب. لكن ما يعنيني هو المواطن اللبناني الذي بات محرومًا حتى من أبسط وسائل الفرح والترفيه في وطنه. في بلدٍ...

رقصة الطائر المذبوح

نتنياهو يضرب الضاحية قبيل التوقيع ويسقط وحيداً أمام النار والاتفاق في اللحظة التي يُوقَّع فيها مصيره، يُطلق آخر رصاصاته على بيروت ، والمحور يُجهّز الرد المقدمة الطائر المذبوح...

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...