السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
24°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

كارولين ياغي

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق، لكن من الصعب القول إنها انتهت فعلاً. فالمفاوضات التي لا تُفضي إلى نتائج واضحة لا تعني الفشل دائماً، بل قد تكون مجرد فصل من لعبة أطول، تُسيَّر فيها الأوراق ببطء، ويُستثمر فيها عامل الوقت إلى أقصى حد.
لا يبحث الطرفان كما يبدو، عن حسم سريع، بل عن إعادة تشكيل شروط التفاوض نفسها. ثمة ما يُخفيه المشهد، أو ما لم ينضج بعد ليُقال علناً. عراقيل تظهر في العلن، وربما تمييع مقصود خلف الكواليس، في انتظار تبدل موازين أو نضوج تفاهمات غير مكتملة.
تتقاطع السياسة مع الاستعراض العسكري في الميدان. تحركات البحرية الأميركية في مضيق هرمز، تحت عنوان ضبط المرور ومنع فرض رسوم غير قانونية، تحمل أكثر من رسالة، ليس فقط لإيران بل لكل من يراقب خطوط الطاقة والتجارة العالمية. في المقابل، تلوّح طهران بانفتاح مشروط على اتفاق، مشيرة إلى استعدادها للعودة إلى طاولة التفاهم إذا التزمت واشنطن بالقانون الدولي. وبين هذا وذاك، تدخل أطراف إقليمية على الخط، مع تعزيزات عسكرية واتفاقيات دفاعية تعكس استعداداً لسيناريوهات مفتوحة.
في وسط هذا المشهد المعقّد، يقف لبنان في صميم العاصفة لا على أطرافها. يشهد الجنوب تصعيدًا متقطّعًا، يتراوح بين مواجهات ميدانية ورسائل نارية، بينما تتسع رقعة التهديد لتشمل المرافق الحيوية، من المطار إلى البنى التحتية، وكأن البلاد تُساق قسرًا نحو اختبار جديد.
أما في الداخل، تنشط الأجهزة الأمنية في سباقٍ مع القلق. يرفع الجيش وقوى الأمن وسائر الأجهزة مستوى الاستعداد، استنادًا إلى قرارات حكومية ترمي إلى حفظ الاستقرار وتفادي الانزلاق. غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل تكفي التدابير الأمنية وحدها لمواجهة مناخ إقليمي متوتر؟
وفي موازاة ذلك، تنطلق مسارات تفاوضية جديدة، هذه المرة بوجه مباشر، بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. توقيت هذه المفاوضات، في الرابع عشر من نيسان، لا يمر مروراً عادياً في الذاكرة اللبنانية. فهو يأتي بعد يوم واحد فقط من ذكرى اندلاع الحرب الأهلية في الثالث عشر من نيسان 1975، ذكرى لا تزال حاضرة في الوعي الجماعي، كجرح لم يلتئم بالكامل.
هل نحن أمام مفارقة تاريخية، أم أمام فرصة لكسر الحلقة؟
أم أن لبنان، المثقل بتجارب الماضي، بات أكثر قدرة على تفادي الانزلاق؟
الإجابة ليست سهلة. فلبنان اليوم ليس كما كان، لكنه أيضاً ليس بمنأى عن تكرار الأخطاء. المنطقة تتغير، لكن قواعد الاشتباك القديمة لم تختفِ تماماً. وما بين حسابات الخارج وهشاشة الداخل، يبقى البلد معلقاً على خيط رفيع.
قد لا تكون الحرب حتمية، لكن القلق مشروع.
وقد لا تكون التسوية قريبة، لكن بابها لم يُقفل.
في هذا الفراغ بين الاحتمالين، يعيش اللبنانيون يومهم، على إيقاع انتظار ما سيقرره الآخرون، أو ما سيفرضه الواقع، في منطقة لم تتوقف يوماً عن إعادة رسم خرائطها على وقع الأزمات.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...

23 يوليو يوم في تاريخ الأمة لا مثيل له

في مثل هذا اليوم من عام 1952 عبرت الأمة العربية كلها إلى المستقبل حين تحركت طلائعها في مصر لاستلام السلطة، ولوضع هذا البلد العربي المركزي في مكانه الصحيح، المكان الذي فرضته عليها...