في لبنان، لا تصل الأخبار السياسية كوقائع عادية. فكل تسريب يشبه إنذاراً مبكراً، وكل تصريح إقليمي يتحوّل فوراً إلى مادة قلق يومي: هل الحرب عائدة؟ أم أن المنطقة تتجه أخيراً نحو تسوية طويلة الانتظار؟
خلال الأيام السابقة، ظهرَ المشهد اللبناني كأنه معلّق بين احتمالين متناقضين: تصعيد إسرائيلي مفتوح جنوباً، أو اتفاق أميركي إيراني واسع قد يغيّر شكل المنطقة بالكامل. وبين الاحتمالين، يقف اللبنانيون مجدداً في موقع المتفرّج القَلِق، فيما تُدار مصائرهم على طاولات تفاوض خارج الحدود.
تواصل إسرائيل الضغط العسكري والنفسي معاً من غارات الى إنذارات إخلاء لبلدات في الجنوب والبقاع الغربي، ورسائل ميدانية تقول بوضوح إن تل أبيب لا تعتبر الجبهة اللبنانية منفصلة عمّا يجري في غزة والمنطقة. وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير إسرائيلية عن حدود أمنية جديدة تمتد داخل أراضٍ في غزة وسورية ولبنان مما يعكس ذهنية أمنية أكثر تشدداً بعد الحرب.
لكن وراء الدخان، ثمّة مسار آخر يتحرّك بهدوء: مفاوضات أميركية إيرانية تبدو هذه المرة أكثر جدية من الجولات السابقة. فالحديث لم يعد يقتصر على الملف النووي فقط، بل يتوسّع نحو ترتيبات إقليمية تشمل أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهدنة طويلة وربما إنهاء الحرب على أكثر من جبهة، بينها لبنان.
فالكلام عن تفاهم يشمل إنهاء الحرب بين “إسرائيل “وحزب الله لم يعد يُطرح همساً في الكواليس، بل بدأ يظهر تدريجياً في الإعلام الأميركي والإسرائيلي، وكأن هناك محاولة تمهيد للرأي العام قبل أي إعلان محتمل.
وفي هذا الإطار حملت رسالة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الأمين العام لـحزب الله نعيم قاسم دلالات تتجاوز البعد المعنوي. فهي شددت على أن طهران لن تتخلى عن دعم الحزب ،وأوحت في الوقت نفسه بأن لبنان حاضر على طاولة التفاوض، وأن أي اتفاق إقليمي لن يتجاهل وضع الجبهة الجنوبية.
الأخطر أن الداخل اللبناني نفسه يبدو غير جاهز بعد لأي تحوّل كبير. فالدولة لا تزال غارقة في أزمتها المالية، فيما يترقب المودعون تمديد العمل بالتعميمين 158 و166 خشية توقف دفعات الدولار النقدي. وحتى هذا الملف المعيشي الحساس بات مرتبطاً بشكل غير مباشر بمصير الاستقرار السياسي والأمني، لأن أي اهتزاز واسع قد يطيح بما تبقى من قدرة المؤسسات على احتواء الانهيار.
وفي موازاة الترقب الإقليمي، يدخل لبنان مرحلة سياسية دقيقة مع اقتراب الاجتماعات التنسيقية الأمنية العسكرية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية في مقر وزارة الدفاع (البنتاغون) فللمرة الأولى منذ سنوات، لا يقتصر النقاش على وقف النار فقط، بل يمتد نحو أفكار تتعلق بترتيبات أمنية طويلة الأمد، تبدأ من الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، ولا تنتهي عند ملف سلاح حزب الله وحصرية القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية.
إذاً
قد تكون المنطقة متجهة نحو تسويات، لكن السؤال اللبناني الداخلي ما زال معلّقاً: هل يستطيع لبنان الانتقال من مرحلة توازن الردع إلى مرحلة الدولة الكاملة؟ وهل يسمح الإقليم بذلك أساساً، أم أن لبنان سيبقى ساحة مؤقتة للهدن المؤجلة؟
في الشارع اللبناني، لا أحد يملك ترف التحليل البارد. الناس تقرأ الأخبار بعين الخوف لا السياسة، الجنوبي الذي يسمع صوت الغارات لا يعنيه كثيراً شكل الاتفاق النووي، بقدر ما يعنيه إن كان سيستيقظ غداً على إنذار جديد، والمودع الذي ينتظر حصته الشهرية بالدولار لا يفكر بمضيق هرمز، بل بما إذا كان سيتمكن من دفع قسط المدرسة أو فاتورة المولد.
وربما هذه هي المأساة اللبنانية الدائمة: أن البلاد غالباً لا تعرف مصيرها من داخلها، بل من اتجاه الرياح الإقليمية


