الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين يُسرَق الخبز من أفواه الفقراء... وعلى أبواب الرحمة

في لبنان، لم تعد المحروقات مجرّد أرقامٍ تُعدَّل في جداول رسمية، بل صارت امتحانًا يوميًا لكرامة الناس. لم يعد البنزين سائلًا يُضخّ في خزّان، بل عبئًا يُسكب فوق صدور العائلات المثقلة أصلًا. وكلّما تحدّثت السلطة عن “تصحيح”، كان التصحيح يقع على ظهور الفقراء. وكلّما بشّرت بـ”توازن”، اختلّ الميزان في بيوت المعدمين.

ثلاثمئة ألف ليرة تُضاف إلى صفيحة البنزين ليست تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل لقمة تُقتطع من مائدة، ودواء يُؤجَّل، وأبًا يقف صامتًا أمام أولاده عاجزًا عن تفسير هذا الانفلات اليومي في الأسعار. إنّها سلسلة نار تمتدّ من المضخّة إلى الرغيف، ومن الطريق إلى الصيدلية، ومن أجرة النقل إلى كلفة كل سلعةٍ على الرف.

وأيُّ قسوةٍ أشدّ من أن يأتي هذا القرار ونحن على أبواب شهر رمضان؟ شهر الرحمة، شهر الإحساس بجوع الآخرين، شهر الزكاة والتكافل. الناس تتهيّأ لاستقبال الهلال بالدعاء والرجاء… فبأيّ شعورٍ تُستقبل قرارات تزيد الجوع جوعًا، والقلق قلقًا؟

كيف ندخل زمن الإمساك عن الطعام، فيما كلفة الخبز ترتفع؟ كيف نتحدّث عن الصفح، والفواتير تتضاعف، وأجرة الطريق تثقل، وكلفة الدواء تُرهق؟ أليس في التوقيت ما يدعو إلى وقفة ضمير؟ إلى لحظة إنصافٍ تُنصت لنبض الشارع المتعب؟

يقولون: نريد تصحيح الأجور. ونقول: هل يُداوى الجرح بالأداة نفسها التي عمّقته؟
المحروقات ليست ترفًا. هي شريان الحياة في بلدٍ أنهكته الأزمات. تدخل في كلفة الرغيف قبل أن يولد في التنور، وفي ثمن الدواء قبل أن يصل إلى يد المريض، وفي كل حركةٍ من حركات هذا الشعب الصابر.

إنّ رفع سعر المحروقات ليس إجراءً تقنيًا باردًا، بل قرارٌ إنساني وأخلاقي بامتياز. إمّا أن تكون مع الناس… أو تكون عليهم. إمّا أن تحمي قدرتهم الشرائية… أو تتركها تتآكل بصمتٍ موجع.

الدولة التي تعجز عن مواجهة الهدر والفساد، لا يجوز أن تجد في جيب الفقير الحلّ الأسهل. والدولة التي تتردّد أمام الامتيازات والكماليات، لا يليق بها أن تتجرّأ على لقمة الفقراء.

أيّها المسؤولون، شهر رمضان ليس موسم خطابات، بل موسم اختبار. والرحمة ليست مفردةً تُتلى، بل قرارًا يُتَّخذ. والناس لا تطلب معجزات، بل تطلب أن تدخل هذا الشهر بكرامة لا بقلق، بسكينة لا بديون، بموائد متواضعة آمنة لا بموائد مهدَّدة.

هذه ليست معركة بنزين… إنّها معركة كرامة. صرخة وجعٍ في وجه الجوع، وسؤالٌ يُطرَح قبل أن يُرفَع الأذان: هل في القلوب متّسع لرحمةٍ بحجم هذا الشعب؟ ارحموا من في الأرض… كي يرحمكم من في السماء…

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل كان سيد قطب مفكراً عظيماً أم إرعابيا" كبير ا"

خاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ والكتاب المؤثرين أصحاب الكلمة المسموعة والاتفاق معهم لتكريه المسلمين في الشيوعية ،وتكفيرهم كونهم ضد الإسلام ،...

مستشفى غندور الرائدة، كومة حجارة .

مع قصف مستشفى غندور في النبطية تنتهي قصة مستشفى شجاعة لطالما صمدت في أسوأ شروط الاحتلال والحرب والتحوّلات وصولا إلى زمن خطوط التماس الجديدة. ما تدمير مستشفى غندور الا رسالة دموية...

نجميات

الثقافة لا تجعلك على علمٍ بكل شيئ ، وانما هي التي تُمكنك من الألتزام : بالحب ، والحق ، والخير ، والجمال ، والأنسانية : ** الصمت ليس الذي هو عكس الكلام ، بل هو قمة الكلام ، ويتكلم...

الأنا اللبنانية النرجسية الشوفينية المتضخمة المَرَضية.

قال اخوان الصفا ان ليس بعد التناهي في الزيادة غير النقصان بينما يقول هيغل ان ليس بعد القمّة سوى الانحدار ، لسنا بحاجة لأي قول لندعم قراءتنا لأن وضوح الامور تكفي بلد يعجّ بالعظماء...

لماذا قبل هؤلاء أن يكونوا عصا العدو الصهيوني في وجه المقاومين ؟

يذهب صهاينة الداخل( موارنة وسنة وشيعة )في لبنان في الرهان على العدو الصهيوني إلى أبعد حدود، فمن المؤسسة الدينية المتمثلة بالبطريرك الراعي، والمؤسسة الرسمية، رئاسة الجمهورية...

نصر موهوم لهزيمة محققة علي الطاهر... حين عميت عين العدو.

في الثالث من تشرين الأول عام ٢٠٢٤، استهدف العدو الإسرائيلي مكان تواجد الأمين العام لحزب الله، السيد الشهيد هاشم صفي الدين. ويُعتبر استهداف السيد هاشم من أكبر استهدافات الحرب...