وجّه الدكتور جهاد بنّوت (دكتوراه في العلوم السياسية من الجامعة اللبنانية، ودبلوم الدراسات المعمّقة في السياسات العامة من جامعة مونبلييه بفرنسا، وأستاذ في الفكر السياسي وتاريخ العالم العربي المعاصر في الجامعة اللبنانية)، رسالة إلى العقل السياسي العربي جهد فيها لتلخيص مسار طويل جدًا من المسير العربي الشاق، الذي لم تهدأ أجواؤه منذ العهد العثماني البائد الذي حكم المنطقة العربيّة طيلة أربعة قرون، عانى خلالها أهل المنطقة العربية من الاستبداد والجور والظلم. كلّ هذه المعاناة لم تشفع لهم، فكان أن جاء الاستعمار البريطاني والفرنسي تحت غطاء الانتداب ليحكمهم من جديد وتحت أسماء وعناوين كاذبة أبرزها المساعدة على التطوير والتقدم والتنمية وهلمجرا…
في 40 صفحة من القطع الصغير، سرد بنّوت تاريخ منطقة بأكملها، منطقة يجمعها الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا، والماء والهواء والنفط والثقافة. كلّ هذه المُشتركات لم توّحد أبناء الأرض، فكان الاحتلال وتلاه الاستعمار والتقسيم والتجزئة والتناحر البينّي وضياع الأرض. وكانت فلسطين ضحية التشتت العربي والصراعات بين الأنظمة الجديدة الطالعة من تحت نير الاحتلال العثماني الذي أراد القضاء على اللغة والقوميّة العربيّة، فتصدى له القوميون ومن ثم اليسار ومن ثم العروبيون، إلى أن إنتهى الأمر بهم إلى التجزئة والتفرقة والتناحر لدرجة أن دولة عربيّة كالعراق احتلت دولة ثانية جارة هي الكويت. وكان أن اعتدت دولة عربيّة هي العراق أيضًا على دولة جارة مُسلمة هي إيران بدعم غربي قلّ نظيره، من أجل مزيد من التفتيت والسيطرة، وكان أن احتلت دولة مسلمة أرض دولة مسلمة أخرى هي الأهواز، وتنازلت الإمارات عن أرضها لإيران، ومصر للسعودية، إضافة إلى الصراع المغربي الجزائري، والسوداني المصري…
لم يشفع لهذه الأمة لا العروبة ولا الإسلام ..ولا كونها مهبط الرسالات السماوية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام)، فكان التقسيم بين هويات عربيّة وكردية حيث وقف العرب ضد إقامة دولة كردية لأهلها، ، وبين مسيحيين ومسلمين، وتناحر مذهبي سني-شيعي، وحروب أهليّة داخليّة قائمة على الصراع الطبقي أو حروب مموّلة من الغرب الأميركي والأوروبي باسم “المجتمع المدني” و”الربيع العربي” وآخرها “الشتاء الإسلامي”. ولم يكن للنفط العربي دور على حياة الشعوب العربيّة سوى مزيد من الاستسلام للولايات المتحدة الأميركيّة التي تدعم بكلّ الوسائل “إسرائيل” في احتلالها لفلسطين التي كانت ما قبل هزيمة العام 1967 مُحتلة جزئيّا فجاءت الهزيمة العسكرية عام 67لتأخذ “إسرائيل” كلّ الأراضي العربية ولـ”تُأسرل” الشعب العربي فيها من خلال اطلاق عليهم ما يُسمى بـ”عرب48″.
وبات اللاجئون الفلسطينيون مشردين في كافة أصقاع الأرض، ولم تتقدّم الدول العربية في هذا المجال بسبب سيطرة حكام الرجعيّة العربيّة الذين كانوا يسعون دومًا للحفاظ على سلطاتهم . ولم يقبلوا بالشعب الفلسطيني على أرضهم كلاجئين حتى، بل استبدلوهم بيد عاملة من كافة أصقاع الأرض. وتركوا الشعب الفلسطيني يتخبّط في أزماته بين “دول الطوق” التي لجأوا إليها وعانوا ما عانوه جرّاء أزمة اللجوء من الأنظمة القائمة في هذه الدول: كلبنان وسورية
والأردن ومصر.
فالعقل العربي بات مُعَطلًا، وهو أصلًا لم يشتغل كثيرًا لدرجة أنه صدأ، فكان السابع من إكتوبر من العام 2023 حين انتفض أهل غزة لإعادة الحياة للقضية العربيّة التي كانت تموت ببطء في ظلّ الحديث عن الإتفاقيّات الإبراهيميّة والتطبيع وتبادل السفراء وحلّ الدولتين ونقل السفارات إلى القدس.
ويبقى السؤال المطروح: لمن وجّه الباحث الدكتور جهاد بنّوت رسالته هذه؟ وهل بعد فضيحة التخلّي العربيّة هذه بقيّ من نُوجه له رسالة؟
استشهد قادة المقاومة في غزة ولبنان وإيران والعراق ولم تُحرّك كلّ هذه الدماء شعرة واحدة من رأس الزعماء والقادة العرب، ولم تخرج الشعوب العربية من أوكار “السوشل ميديا” كما فعلت الشعوب الغربيّة “الكافرة” والـ”لاقومية”!.
استشهد أكثر من 70 ألف فلسطيني، و4000 لبناني، وتهدّمت غزة عن بكرة أبيها، وتدّمر الجنوب والضاحية والبقاع، وإغتيلت قيادات كبيرة في المقاومتين اللبنانيّة والفلسطينيّة، لكن لا حياة لمن تنادي، بل استمروا بمد الغرب المُتصهين بالمال، واستمرت احتفالات الترفيه على قدم وساق..
ولم تشهد الأمة العربيّة والإسلاميّة مَواتا كهذا المَوات. فكان لابد من رسالة إلى “الميت العربي” والقبر العربي والمدافن العربيّة برأيّي.
يختتم الدكتور جهاد بنّوت رسالته بوضع مخطط للنهوض والتحدّي والكفاح والتطور.. وهو برأييّ أضعف ما في الكُتيّب، على عكس الغنى الطافح في عملية إعادة النظر إلى الواقع العربيّ بعد أكثر من قرنين على الاحتلال العثماني وما تلاه من انحطاط تام.
وأخيرا.. أوّجه نصيحة بقراءة هذا النص الثريّ من قبل طلاب الجامعات والثانويّات، وللصحفيين حتى يتمكنّوا من فهم الصورة الكاملة، وإزالة الغموض عن بعض التواريخ الكاذبة، والمُخططات النهضوية التي تخّطها المؤتمرات على “ورق أيلول الأصفر”.


