يحلّ عيد الميلاد هذا العام في لبنان ،مثقَلًا بدلالات تتجاوز البعد الديني والاحتفال الموسمي. يأتي في توقيت وطني بالغ الحساسية، حيث تتكاثف الأزمات وتتعثّر الحياة السياسية، فيما يُترك المواطن وحيداً لمواجهة تفاصيل يومه القاسي، في بلد اعتاد العيش على إيقاع الانتظار السياسي المفتوح، يتحوّل الميلاد إلى مساحة نادرة لطرح السؤال الجوهري: كيف يستمر المجتمع عندما تتراجع الدولة عن دورها؟
تبدو السياسة اللبنانية على مستوى المشهد العام أسيرة حلقة مفرغة من التسويات المؤجَّلة ،والالتزامات غير المنجزة. مؤسسات منهكة، قرارات غائبة أو مُرحَّلة، ومسؤوليات تُدفع باستمرار خارج الأولويات. وعلى الرغم من ذلك، يواصل اللبنانيون حياتهم اليومية، وكأنهم تعلّموا بناء أشكالهم الخاصة من الاستقرار، بمعزل عن منطق السلطة وإيقاعها.
ضمن هذا السياق، تأخذ حركة مطار بيروت دلالة تتجاوز لغة الأرقام وحسابات المواسم. فهي لا تختصر بكونها ظاهرة مرتبطة بالأعياد، بل تُقرأ كرسالة سياسية غير معلنة: عودة اللبناني ليست تعبيرًا عن ثقة بالنهج القائم، بل تشبّث بالأرض، وبالذاكرة الجماعية، وبروابط إنسانية تتقدّم على كل اعتبار آخر. هذه العودة، مهما بدت فردية أو شخصية، تنطوي في عمقها على موقف عام يفضح اتساع الفجوة بين الدولة ومواطنيها.
لم تكن الأعوام الأخيرة سهلة على لبنان. انهيار اقتصادي غير مسبوق، تدهور حاد في مستوى المعيشة، وقلق اجتماعي دائم، كلّها وقائع جرت في ظل عجز سياسي مستمر عن بلورة حلول قابلة للحياة. ومع كل محطة جديدة، يترسّخ الشعور بأن المجتمع تُرك ليواجه مصيره وحده، بينما تكتفي الطبقة السياسية بإدارة الأزمات بالانتظار، لا بصناعة المخارج.
ومع ذلك، وفي مفارقة لبنانية أصبحت أقرب إلى القاعدة، يصرّ الناس على صناعة الفرح.
في زمن الميلاد، لا يأتي الفرح بوصفه ترفًا أو وسيلة هروب، بل خيارًا واعيًا، وموقفًا هادئًا في مواجهة انسداد سياسي خانق. تُضاء الشرفات، تتزيّن المنازل، وتعود طقوس العائلة إلى الواجهة، كأن المجتمع يعلن تمسّكه بالحياة في وجه منظومة عاجزة عن صونها.
في هذه اللحظة، يظهر لبنان أشبه بطائر الفينيق، لا ينهض بفعل معجزة مفاجئة، بل بقوة الإصرار المتجدّد على الاستمرار. ينهض على الرغم من غياب مشروع سياسي واضح، وثقل الانقسامات، و شعور متنامٍ بأن الدولة باتت عاجزة عن مرافقة ناسها. غير أنّ هذا النهوض يظل هشًّا، ولا يمكن للرموز الموسمية وحدها أن تمنحه استدامة حقيقية.
عيد الميلاد في لبنان ليس احتفالًا بقرب الفرج، ولا وعدًا بحلول سياسية وشيكة. هو تذكير صارخ بأن المجتمع سبق دولته بخطوات، وبأن الإرادة الشعبية لا تزال تملأ فراغ السلطة. لكن هذا الواقع، مهما حمل من أمل ومعنى، لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن دولة فاعلة، قادرة، ومسؤولة.
وإلى أن تلتحق السياسة بإيقاع الناس ونبضهم، يبقى الميلاد لحظة يجدد فيها اللبنانيون إعلان خيارهم بالحياة. لا إنكارًا للأزمة، بل رفضًا لأن تتحوّل إلى قدر نهائي.


