السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

فلسطين ليست دولةً قيد التأسيس… بل هي الأصلُ الذي أُنكر

في مشهدٍ يعكسُ سخريةَ الواقعِ الدوليّ، تتسابقُ بعضُ الدولِ هذه الأيامِ إلى “الاعترافِ” بدولةِ فلسطين، وكأنّها وليدةُ اللحظةِ، كيانٌ جديدٌ يُطلبُ له القبولُ بين الكبارِ، بعدَ طولِ غيابٍ. هذا الاعترافُ المتأخّرُ ليسَ إلّا محاولةً لتبييضِ سجلٍّ أخلاقيٍّ دوليٍّ ملوّثٍ بالصمتِ، والتواطؤِ، والنفاقِ السياسيِّ الذي ساهمَ في إطالةِ عمرِ الاحتلالِ، بل ومنحهُ شرعيّةً ضمنيّةً لعقودٍ.
لكنّ الحقيقةَ التي يُصرّ البعضُ على إنكارِها أو تجاهلِها هي أنّ فلسطينَ ليست دولةً طارئةً، ولا فكرةً قيدَ النضوجِ. فلسطينُ هي الأصلُ، هي الأرضُ التي كانت وما زالت، قبل أن يُزرعَ الكيانُ الصهيونيُّ فيها قسرًا، ويُفرضَ على شعبِها تهجيرًا وقتلًا وطمسًا للهويّةِ.
من يتحدّثُ اليومَ عن “حلِّ الدولتينِ”، أو “الاعترافِ بالدولةِ الفلسطينيّةِ”، يتحدّثُ من موقعِ القوّةِ السياسيّةِ لا من موقعِ الحقيقةِ. فالتاريخُ لا يحتاجُ إلى ختمٍ أوروبيٍّ كي يُوثّقَ، ولا إلى توقيعٍ أميركيٍّ كي يُعتمدَ. الحقيقةُ بسيطةٌ: كان هناك وطنٌ اسمُه فلسطينُ، بشعبِه ومدنِه وثقافتِه، فجاء من أراد أن يستبدلَه بوطنٍ آخرَ، قائمٍ على أسطورةٍ دينيّةٍ، وسلاحٍ غربيٍّ، وتواطؤٍ دوليٍّ.
لقد وُلِدت إسرائيلُ عامَ ١٩٤٨ على أنقاضِ أكثرَ من ٥٠٠ قريةٍ فلسطينيّةٍ دُمّرت، وعلى جثثِ آلافِ الشهداءِ الذين قُتلوا في مجازرَ جماعيّةٍ، من ديرِ ياسينَ إلى الطنط… ومن اللدِّ إلى كفرِ قاسمَ. لم تكن تلك حربًا بين جيشين، بل مشروعَ اقتلاعٍ ممنهجٍ لشعبٍ من أرضِه، و”شرعنةَ” إحلالِ جماعةٍ مكانَه، بقوّةِ الإعلامِ والدبلوماسيّةِ والدمِ.
إنّ محاولاتِ تحويلِ القضيّةِ الفلسطينيّةِ إلى ملفٍّ “نزاعٍ حدوديٍّ” أو “مشكلةِ لاجئينَ” أو “صراعٍ أمنيٍّ”، هي محاولاتٌ خبيثةٌ لإفراغِها من مضمونِها الحقيقيِّ، قضيّةِ احتلالٍ استيطانيٍّ عنصريٍّ، قام على محوِ وطنٍ، وسرقةِ تاريخٍ، وقلبِ الحقائقِ.
ومن هنا، فإنّ أيَّ اعترافٍ بفلسطينَ لا يُعدّ منّةً من أحدٍ، بل هو تصحيحٌ لخطيئةٍ كبرى، وليس خدمةً لشعبٍ، بل اعترافًا بظلمٍ تاريخيٍّ وجب أن يُحاسبَ مرتكبوُه، لا أن تُكافأ دولتُهم بمزيدٍ من الدعمِ والغطاءِ السياسيِّ.
إنّ الشعوبَ لا تُقاسُ بشرعيّةٍ تمنحُها العواصمُ الغربيّةُ، بل بحقيقتِها على الأرضِ، بصمودِها، بتاريخِها، وبمقاومتِها. وفلسطينُ، بشعبِها الذي لم ينكسر، وبرمزيّةِ القدسِ التي لم تتراجع، هي الدليلُ الحيُّ على أنّ الأرضَ لا تنسى أهلَها، حتى وإن تواطأ العالمُ كلُّه على دفنِهم أحياءَ.
فلسطينُ ليست دولةً جديدةً تبحثُ عن اعترافٍ…
فلسطينُ دولةٌ مغتصبةٌ، وحقٌّ مسلوبٌ، وأصلٌ أُريد له أن يُمحى من الذاكرةِ.
لكنّ الذاكرةَ الحيّةَ لا تموت… ولو بقيت وحدَها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...