الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في زمن التشكيك….خطاب يعيد المعنى للوطن

كارولين ياغي

في زمنٍ انهارت فيه المعايير، وانكفأت المؤسسات، وبات الوطن رهينة الخوف والانقسام، يعلو صوت واحد يذكّرنا بما تبقّى من كرامة الدولة: الجيش.

اليوم، عشية عيده الثمانين، لم يكن خطاب الرئيس جوزف عون مجرد تحية للمؤسسة العسكرية. كان إعلان نية، بيان مشروع، وقَسَم متجدّد. لم يخاطب اللبنانيين بعبارات إنشائية، بل بخطابٍ تاريخي حافل بالدلالات، يُفترض أن يكون موضع قراءة معمّقة لا موضع تشكيك. فالرجل لم يأتِ إلى الحكم من كواليس الأحزاب ولا من أروقة الصفقات. جاء من تراب الميدان، ومن مدرسة الانضباط والتضحية، تلك التي لا تُخرّج زعماء بل قادة.

في لحظة انهيار سياسي واقتصادي وأخلاقي، شدّد الرئيس عون على “حصرية السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية دون سواها”، في موقف هو الأول من نوعه بهذا الوضوح من موقع رئاسة الجمهورية. موقفٌ يدعو لإعادة الاعتبار للشرعية، ولرأب الفجوة بين الدولة والشعب، بعدما كادت البنادق غير النظامية تلتهم ما تبقّى من السيادة.

هو يعرف تماماً أن لا استقرار من دون أمن، ولا أمن من دون جيش، ولا جيش إن بقي وحده في الميدان من دون غطاء سياسي ودعم شعبي. من هنا، يجب أن يُمنح الرئيس الوقت اللازم للعمل. ليس من باب التبرير، بل من باب العقل. ففي دولة من دون مؤسسات حقيقية، لا يكون الحل بتصفية ما تبقى، بل بالرهان على من لا يزال واقفاً. ومن غير المنصف أو المسؤول انتقاده من لحظته الأولى، وهو الذي قال بصدق: “للجيش فضلٌ كبيرٌ عليّ ودَينٌ أكبر… ربّاني على حب الوطن، من دون اجتزاء، وعلى حب الشعب من دون شعبوية، وعلى حب الله من دون طائفية”.

من وزارة الدفاع، خاطب الجنود ودموع الوطن في عينيه. استعاد البطل محمد فرحات، ابن الجنوب الذي احتضنته كنائس الشمال، في مشهد لبناني جامعٍ لا يحتاج لمؤتمرات حوار ولا لوثائق تفاهم. دم فرحات وحده كان كافياً لكتابة دستور آخر، غير الدستور الورقي الذي تُنتهك بنوده كل يوم. قالها الرئيس بوضوح: “شعبٌ يستحق الحياة، لا يترك من قدّموا دماءهم لأجله يسقطون مرتين… مرةً في الدفاع عنه، ومرةً بالنسيان أو المساومات”.

هذا الخطاب ليس مجرد كلمات. هو خارطة طريق تُعبّر عن نية سياسية مختلفة. فالرئيس الآتي من صفوف الجيش يُدرك أن التحديات كثيرة، وأن إسرائيل ما زالت تحتل، وتقصف، وتمنع الإعمار، وتخرق السيادة، وأن الفساد الداخلي لا يقلّ خطراً. لكنه يملك أيضاً الوعي بأن “كل من سقط دفاعاً عن الوطن… هو ذخرٌ لنا في مسيرتنا نحو وطنٍ مستقل، مستقر، مزدهر وعصري”.

من هنا، فإن دعم هذا العهد لا يعني صكّ براءة مطلقة، بل منح فرصة لمن يستحق. فالرئيس لم يتحدث من فوق الشعب، بل بإسمه، ومعه. لم يتبرأ من الجيش بل اعتبره مرآة الشعب، واعتبر الوفاء له جزءاً من الوفاء للوطن.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة لرموز تُوحّد لا تُفرّق، تُطَمْئن لا تُرهب، تبني لا تُساوم. بحاجة إلى من يقول لنا: هناك من لا يزال يؤمن أن لبنان يستحق الحياة.

الرئيس جوزف عون قالها بوضوح، وبلغة لا تحتاج إلى ترجمة: “الوفاء لأرواح من سقطوا دفاعاً عن الوطن وللقضية التي ارتقوا من أجلها، يقتضي أن نوقف الدمار… والانتحار”. فهل نُحسن الإصغاء؟

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...