الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

رلى توفيق الحوري ناشطة سياسية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية الدولة في ميزانها الأخلاقي والمالي والوجداني معا، ويعيد طرح سؤال جوهري حول معنى السيادة وحدود الذاكرة الوطنية .

في علم المحاسبة والمالية العامة، لا يمكن قراءة ما يجري إلا باعتباره محاولة خطيرة لإعادة تقييم (Revaluation) الذاكرة الوطنية بطريقة مشوهة، تقوم على إعادة تصنيف الأصول والالتزامات الوطنية وكأن تضحيات الشعب بند قابل
“للتصفير”

إن ما يطرح اليوم يشبه في المفهوم المحاسبي عملية إقفال حسابات تاريخية (Closing Historical Accounts) بشكل سياسي، لا مالي، حيث يتم التعامل مع ما هو غير قابل للتقييم النقدي كأنه خسائر مرحلة (Losses Carryforward) يمكن تسويتها ضمن ميزانية تسويات لاحقة.

لكن هنا تقع الفجوة الأخطر:
كيف يمكن تحويل تكلفة الدم (Human Cost Capital) إلى بند قابل” للتصفير”؟

وكيف يسمح بإدراج الشهداء والبيوت المدمرة والقرى المحروقة ضمن منطق خفض الالتزامات التاريخية (Historical Liabilities Reduction)؟

إننا أمام محاولة غير معلنة لـ:

إعادة هيكلة الذاكرة الوطنية محاسبيا (National Memory Restructuring)

تصفير الحسابات السيادية المرتبطة بالصراع (Zeroing Sovereign Conflict Accounts)

إعادة تعريف الخسائر على أنها “ماضي مغلق” وليس “حقائق سيادية مستمرة”

وهذا في علم المالية العامة ليس مجرد خطأ تقديري، بل خلل في مفهوم الدولة نفسها ككيان يراكم التضحيات لا يشطبها.

فالبيوت التي دمرت ليست “أصولًا متضررة Depreciated Assets” يمكن شطبها من السجلات،

والقرى التي أُحرقت ليست “مشاريع متعثرة Impaired Projects”،

والشهداء ليسوا “تكاليف تشغيلية Operational Costs” انتهت صلاحيتها الزمنية.

بل هي رأس مال وطني سيادي (Sovereign National Capital) لا يقاس في دفاتر الربح والخسارة، بل يقاس في ميزان الكرامة التاريخية للدولة.

إن أخطر ما في هذا المسار ليس القرار بحد ذاته، بل المنطق الذي يدار به القرار: منطق يعيد تعريف العلاقة بين الدولة وتاريخها على أساس خفض الكلفة السياسية ولو على حساب الثوابت السيادية…!!

إن تحميل هذا النوع من المسارات يظهر بوضوح أننا أمام سلطة تتعامل مع: الذاكرة الوطنية كأنها بند قابل للتفاوض ..

والتاريخ كأنه دفتر قابل للإغلاق،

والتضحيات كأنها تكاليف يمكن تجاوزها ضمن تسويات مرحلية

وهنا مكمن الخطر العميق:
حين تتحول الدولة من حافظة للذاكرة السيادية إلى مدير حسابات سياسي للأزمات، تبدأ عملية انفصال خطيرة بينها وبين المجتمع.

فالناس لا تقرأ هذه الملفات كأرقام،
بل كـ دماء، فقد، بيوت، قرى، ووجع ممتد عبر أجيال.
وأي خطاب يتعامل مع هذا الإرث بهذا المنطق البارد، يحدث شرخا بين: ذاكرة الشعب الحية وعقل الدولة الإداري البارد
وهو شرخ يعمق الإحساس بأن هناك انفصالا في المرجعية الوطنية نفسها.

إن ما يجري اليوم لا يمكن التعامل معه كـ“تقدير سياسي” أو “اجتهاد تفاوضي”، بل كمسار يعيد تعريف علاقة الدولة بذاكرتها وبتضحيات شعبها. وعندما تدار القضايا السيادية بمنطق خفض الكلفة السياسية و” تصفير ” الحسابات التاريخية، فإن النتيجة الطبيعية تكون اهتزاز معنى الدولة نفسها في الوعي العام.

إن السلطة الحاكمة تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي مسار يعيد صياغة العدو كطرف قابل للتطبيع السياسي، وعن أي مقاربة تعامل التضحيات الممتدة عبر الأجيال كأنها أرقام في دفتر يمكن إقفاله. فالدولة ليست شركة مالية تصفى حساباتها، ولا إدارة أزمات تعاد هيكلتها على حساب الذاكرة الوطنية، بل هي عقد تاريخي مع شعبها يقوم على حماية المعنى قبل حماية المصلحة.وعندما ينكسر هذا العقد، لا يعود الخلاف تفصيلا سياسيا، بل يصبح سؤالا أكبر من السياسة نفسها:

من يمثل الدولة؟ ومن يحتفظ بحق تعريف ثوابتها؟
إن تحميل المسؤولية هنا هو توصيف دقيق لواقع تتقدم فيه الحسابات الضيقة على حساب الذاكرة الجمعية، ويتراجع فيه منطق السيادة أمام منطق إدارة الخسائر.

وهكذا، يبقى السؤال مفتوحاً أمام التاريخ قبل السياسة:

هل ما زالت الدولة وفية لدماء من صنعوا وجودها؟

أم أن دفاترها الجديدة تكتب بلغة لا تعترف أصلا بأن لتلك الدماء حسابا لم يغلق بعد؟

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...