السبت، 7 مارس 2026
بيروت
14°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

قطر أصبحت "الحليف" الذي لا غنى عنه لترامب

بوليتيكو

الدولة الخليجية الصغيرة والغنية ساعدت في تشكيل بعضٍ من أكبر انتصارات الرئيس دونالد ترامب الدبلوماسية في الشرق الأوسط وخارجه.

عندما هبط الرئيس دونالد ترامب في قاعدة العديد الجوية الأسبوع الماضي، كان اثنان من أقوى الرجال في قطر بانتظاره بالفعل.

ووفقاً لشخصين مطلعين على تفاصيل المناقشات الخاصة، فإن القادة القطريين كانوا مترددين حيال مثل هذا العرض من المجاملة على أرضهم منذ أن اقترح مسؤولون أميركيون بهدوء قبل شهر أن يلتقوا بالرئيس أثناء توقف طائرته “إير فورس وان” للتزود بالوقود في طريقها إلى آسيا.

لكن قرار الأمير ورئيس الوزراء في نهاية المطاف بالذهاب لاستقبال ترامب كان امتداداً لحملةٍ استمرت سنوات تهدف إلى تحويل قطر من خصمٍ في ولايته الأولى إلى أحد أكثر شركائه الدبلوماسيين ثقة وتأثيراً.

قال أحد الأشخاص: “الأمير كسر كل البروتوكولات من أجل الرئيس ترامب لأنه يدرك قيمة العلاقة”. وكغيره من المصادر، تحدث بشرط عدم ذكر اسمه نظراً لحساسية الموضوع.

فبعد أن فوجئت الدوحة في بداية ولاية ترامب الأولى بانحيازه لفترة وجيزة إلى السعودية والإمارات في حصارٍ ضدها، أمضت قطر سنواتٍ في بناء علاقتها بالرئيس الأميركي — بما في ذلك توظيف حلفائه، والاستثمار في مشاريعه، وتقديم نفسها كوسيط لا يمكن الاستغناء عنه في منطقةٍ مضطربة. كما منحت قطر الولايات المتحدة طائرة نفاثة قيمتها 200 مليون دولار قد تُستخدم مستقبلاً كإحدى طائرات “إير فورس وان”.

الآن، وبعد عشرة أشهر من ولاية ترامب الثانية، بدأت هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها، إذ أصبحت قطر مهندساً خلف الكواليس لعددٍ من أكبر إنجازاته الدبلوماسية، وحصلت على نفوذ لم يكن قادتها أنفسهم يتصورونه يوماً.

وقال مصدر آخر مطلع على الأمر: “القطريون يحبون التعامل مع رجال الأعمال الذين يفكرون بمنطق المعاملة بالمثل. (المبعوث الخاص ستيف) ويتكوف وترامب من هذا النوع، والقطريون في جوهرهم رجال أعمال، لذا يفهم بعضهم بعضاً”.

عندما دعا ترامب الصحفيين إلى قاعة الاجتماعات على متن الطائرة، حيث جلس بين الزعيمين القطريين، أشاد بالأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قائلاً إنه “واحد من أعظم الحكام في العالم”، ووصف رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني بأنه “صديقي إلى العالم”.

وقال ترامب، الذي يتفاخر بأنه “أنهى ثماني حروب”، إن قطر كانت “عاملاً كبيراً جداً” في ترسيخ أعظم إنجازٍ في سياسته الخارجية حتى الآن: وقف إطلاق النار الهش بين إسرائيل وحماس.

لكن العمل الهادئ الذي قامت به قطر لدفع أجندة ترامب حول العالم، بما في ذلك دورها في التوصل إلى اختراق في ملف غزة، يتجاوز حتى ما ألمح إليه الرئيس في كلماته.

فقد ساعد مسؤولون قطريون في صياغة الإطار المكون من 21 بنداً الذي أُطلق عليه “خطة ترامب للسلام”، وفقاً لشخصين مطلعين على الجهود. كما نسق مبعوث قطري رفيع المستوى، وحضر الاجتماع الذي جمع ويتكوف وجاريد كوشنر وقائد حماس خليل الحية، والذي مهد الطريق لاتفاق المرحلة الأولى.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي في بيان إن “الرئيس ترامب تربطه علاقة ممتازة بقطر تعمقت بفضل زيارته التاريخية إلى الشرق الأوسط التي ولّدت تريليونات الدولارات من الصفقات الاقتصادية لبلدنا”. وأضافت أن قطر كانت “جزءاً أساسياً من نجاح” مفاوضات إسرائيل-حماس، “من خلال تقديم ملاحظات حول خطة الرئيس التاريخية ذات النقاط العشرين للسلام”.

وقف إطلاق النار في غزة ليس سوى مثالٍ واحد على مدى النفوذ المتزايد لقطر. فالدولة الواقعة قبالة الخليج من إيران أصبحت شريكاً أساسياً للولايات المتحدة في تبادل المعلومات الاستخبارية والوساطة في النزاعات، بما في ذلك المساعدة في حملات القصف الأميركية ضد الحوثيين المدعومين من إيران في البحر الأحمر، والتنسيق مع الموساد الإسرائيلي خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إيران، والسعي إلى مفاوضات سلام في إفريقيا والقوقاز.

ورغم أن جهود الوساطة القطرية كانت نشطة خلال ولاية ترامب الأولى، إلا أنها تباطأت في عهد الرئيس جو بايدن، الذي طلب من الدوحة تعليق وساطتها في الصراع بين رواندا والكونغو لصالح عملية تقودها فرنسا (والتي فشلت لاحقاً).

وعندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض، فوّض قطر رسمياً باستئناف هذا الدور، ووعد بحفلات توقيع في البيت الأبيض إذا نجحت. ومهّد ذلك الطريق لاتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان، وهو إنجاز تباهى به ترامب لاحقاً كدليلٍ على أنه ينهي الحروب حول العالم.

معارضة جمهورية محدودة
لم يكن الجميع في دائرة ترامب مرتاحين لصعود نفوذ قطر، بمن فيهم شخصيات من جناح “ماغا” مثل لورا لومر وستيف بانون، اللذان انتقدا الدوحة بسبب علاقاتها مع جماعات مثل حماس، وشككا في مدى توافق التعاون معها مع مبدأ “أميركا أولاً”. ونددت لومر بشكل خاص بخطة البنتاغون السماح لقطر ببناء قاعدة جوية في ولاية أيداهو ووصفتها بأنها “فضيحة”.

لكن مسؤولين قطريين وأميركيين رفضوا هذه الانتقادات، مشيرين إلى أن الدوحة تستضيف مكاتب لحماس وطالبان منذ عقود بطلب من واشنطن. وقال مسؤول في البيت الأبيض إن حرص ترامب على لقاء الأمير ورئيس الوزراء على متن الطائرة الأسبوع الماضي “يخبرك بكل ما تحتاج معرفته” عن مدى تجاهله لهذه الانتقادات.

وأضاف المسؤول: “إنهم (القطريون) يقومون بالكثير لمساعدتنا”.

أما قطر، فهي ترى في الوساطة العالمية جزءاً أساسياً من هويتها.
وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يوم الأربعاء في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك: “الوساطة أمر منصوص عليه في دستورنا… اليوم نُعرف بأننا وسطاء عالميون، ليس فقط للمنطقة… بل تمتد وساطتنا من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا وآسيا.”

كما أكد آل ثاني أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة قائلاً إن تركيزه الأساسي هو “حماية وتعزيز الشراكات في مجالات التجارة والدفاع والطاقة”.

كانت قطر إحدى ثلاث دول خليجية زارها ترامب في مايو خلال أول جولة خارجية كبرى له، ركز فيها على صفقات الاستثمار وأغدق المديح على مضيفيه، متعهداً بإنهاء ما سماه “أيام الرؤساء الأميركيين الذين يلقون المحاضرات حول القيم الديمقراطية المشتركة”.

وفي تلك الزيارة، قبل ترامب هدية قطر المتمثلة في طائرة بوينغ 747-8 عمرها 13 عاماً وتبلغ قيمتها نحو 200 مليون دولار، لتُرممها القوات الجوية الأميركية لاستخدامها مستقبلاً كطائرة رئاسية.

هذه الهدية الفاخرة، التي أثارت تساؤلات أخلاقية وأمنية، أصبحت رمزاً لأسلوب قطر في التعامل مع ترامب، وللنفوذ الذي اكتسبته الكيانات الثرية العامة والخاصة على الرئيس وسياسته الخارجية.

كيف وصلت قطر إلى هنا؟
إصرار قطر على أن تكون لاعباً محورياً وشريكاً أساسياً في ولاية ترامب الثانية نبع أساساً من الخلاف الذي حدث في ولايته الأولى، حين انحاز ترامب إلى الإمارات والسعودية بعد اتهامهما للدوحة بدعم حركات إسلامية، وقيادتهما حصاراً اقتصادياً كان يهدف إلى إخضاعها.

ذلك الانحياز، الذي خالف توصيات وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين آنذاك، دفع قطر إلى توظيف مزيد من جماعات الضغط المقربة من ترامب، بما في ذلك وزيرة العدل الحالية بام بوندي، لتقوية علاقاتها في واشنطن.

استضاف ترامب الأمير تميم في البيت الأبيض عام 2018 ثم مجدداً في 2019. كما ساعدت استضافة الدوحة للمحادثات بين الولايات المتحدة وطالبان في تمهيد اتفاق انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وأرست مستوى جديداً من الثقة بين إدارة ترامب والقيادة القطرية.

وقال إيان بريمر، رئيس مجموعة “يوراسيا” للأبحاث في نيويورك: “القطريون يعرفون مدى قرب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من ترامب، ولا يريدون أن يكونوا على الجانب الخاطئ من وجهة الخليج المقبلة. كما أنهم يتميزون بعلاقاتهم مع لاعبين متمردين يسعى ترامب إلى تسوية الخلافات معهم.”

بعد هزيمة ترامب في انتخابات 2020، دعا الأمير تميم الرئيس السابق لحضور مؤتمرات في الدوحة وبقي على تواصل معه خلال فترة ابتعاده عن السياسة. وفي أواخر 2024، سافر الأمير إلى فلوريدا للقاء ترامب قبل تنصيبه، فيما استثمرت شركة مدعومة من صندوق قطر السيادي في مشروع “منتجع ترامب للجولف” في الدوحة.

وقد سمح استعداد قطر منذ عقود لاستضافة مكاتب حماس وحزب الله بطلب من واشنطن، إضافة إلى احتضانها أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، بأن تلعب دوراً دبلوماسياً أكبر.

لكن عندما قصفت إسرائيل مسؤولين من حماس كانوا في الدوحة للمشاركة في مفاوضات وقف إطلاق النار، شعر القادة القطريون بالصدمة لانتهاك سيادة بلادهم من قبل حليفٍ مقرّب. عدم تلقي تحذير مسبق من واشنطن — التي ألقت باللوم على إسرائيل لعدم إبلاغها مسبقاً — اختبر العلاقة بين الدوحة والإدارة الأميركية.

وبحسب شخصين مطلعين على الوضع، أبلغ المسؤولون القطريون فريق ترامب بأنهم لن يواصلوا لعب دور الوسيط الرئيس مع حماس في محادثات غزة إلا بشروط: أن يقدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي اعتذاراً علنياً، وأن تحصل قطر على ضمانة أمنية أميركية في حال تكرار الهجوم.

وقد تلقى البيت الأبيض الرسالة.
فخلال لقاء نتنياهو بترامب في البيت الأبيض في أكتوبر، أجرى ترامب مكالمة بين نتنياهو وأمير قطر، قرأ خلالها الزعيم الإسرائيلي اعتذاراً صاغته واشنطن والدوحة معاً. وكان مسؤول قطري كبير قريب من الأمير حاضراً في المكتب البيضاوي أثناء المكالمة لضمان عدم تحريف نتنياهو للاعتذار أمام الإعلام الإسرائيلي.

وعندما أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يتعهد فيه بأن الولايات المتحدة ستدافع عن قطر ضد أي هجومٍ مستقبلي — وهو ضمان أمني شبيه بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو — فوجئ المسؤولون القطريون بمدى التزام الرئيس.

قال أحدهم: “لقد تجاوزت الخطوة توقعاتنا كثيراً… لم نتوقع أن يجعل البيت الأبيض الأمر علنياً. لكننا كنا سعداء جداً.”

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...