الجمعة، 8 مايو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان في عين العاصفة: عندما يعاد انتاج التفكيك الاقليمي بادوات محلي

رلى توفيق الحوري متخصصة بالعلوم السياسية والقانونية والإعلامية

 

ان ما يحدث في لبنان وسوريا اليوم، ليس وليد لحظة او نتاج ازمة اقتصادية عابرة. انه نسخة مكررة من استراتيجية استعمارية دولية قديمة، تعود جذورها الى فلسفة الاستعمار الحديث التي تقوم على قاعدة ذهبية: ” فرق تسد” !!

في كل بلد عربي انهار، كانت البداية قصة داخلية، والنهاية مشروع خارجي.
في العراق، سقط النظام السابق باسم الديمقراطية، فتمت زراعة نظام محاصصة طائفي مزق الوحدة الوطنية، وترك البلاد عرضة للقاعدة ثم داعش.
في ليبيا، تدخلت القوى الغربية لاسقاط القذافي، ثم انسحبت، تاركة البلاد فريسة لميليشيات متناحرة، وجغرافيات متنازعة.
في السودان، بدأ التفتيت بانفصال الجنوب، وها هو الشمال يبتلع الان في نزاعات قبلية مدعومة من الخارج.
وفي سوريا، تحول الحراك الى حرب دولية، سقط فيها المشروع الوطني بين فكي الارهاب والمصالح الدولية.

وها نحن نرى بوضوح ان لبنان يسير على الطريق نفسه: تحريض اعلامي، فتنة مذهبية، انهيار اقتصادي ممنهج، تهجير ناعم، وشلل رسمي…
وكل ذلك في ظل ضغط خارجي يشيطن المقاومة، ويكبل القرار، ويشجع الفوضى باسم الحرية والتغيير.

بحسب تقرير البنك الدولي 2023، يعاني اكثر من 80 بالمئة من اللبنانيين من الفقر متعدد الابعاد، في ظل انهيار غير مسبوق لليرة اللبنانية، وتزايد نسب الهجرة، اذ غادر البلاد اكثر من 200 الف شاب منذ العام 2019 فقط.

– الشهيد الكبير كان يراها قادمة :

الشهيد الكبير، رحمه الله، لم يكن مجرد رجل في الميدان، بل ذاكرة استراتيجية ناطقة، وصوت مبكر للمستقبل حين كان الاخرون غارقين في جدل اللحظة…!
راى ما لا ارادت الاغلبية ان تراه، وسمى الاشياء باسمائها حين كان الصمت فضيلة عند الخائفين او المرتبطين او المتخاذلين.

لم تكن تحذيراته ناتجة عن توقعات سياسية عابرة، بل عن ادراك عميق لمسار الاحداث، ولمعالم مشروع تدميري خطير، يستخدم ادوات داخلية لتفكيك البلاد من جذورها، ويغلف فتنته بعبارات الحرية والتغيير والاصلاح، ليخفي خلفها خريطة تفتيت معلنة ومعروفة.

قال بصوت يعلو فوق الضجيج:
” انا اقاتل التكفيريين اليوم كي لا يصلوا الى بيروت، وغدا الى جبيل…كي لا يصلوا الى بيوتكم في كل لبنان ” ..
لم تكن هذه الكلمات مجرد تحذير، بل كانت صفعة للانكار الجماعي، وتحديا للغيبوبة السياسية، ونداء لاستنهاض وطني شامل قبل فوات الاوان…!!

كثيرون تجاهلوا هذا النداء، سخروا منه، افترضوه تهويلا… لكن الزمن انصف الحقيقة:
الفتنة كادت ان تلتهم طرابلس، الارهاب لامس عكار والبقاع، اما “بعض المخيمات” فهي خلايا نائمة تحولت الى مستودعات للقنابل الموقوته تنتظر لحظة الصفر ، والخطر لم يعد وهما، بل صار واقعا قابلا للانفجار في كل لحظة.

ان ما حذر منه الشهيد الكبير كان خريطة عمل اعدت بعناية:

تفريغ لبنان من تنوعه عبر بث الرعب والتهجير..
شيطنة المقاومة وعزلها، حتى تصبح البلاد بلا درع ..!
اغراق الجيش والشعب في مواجهة داخلية، تمهيدا لتدخل خارجي “يفرض كحل اجباري” ..!!

لقد استهدف جسد الشهيد الكبير، لكن روحه ظلت تحلق فوق هذا الوطن، كانها تصر ان تبقى لتوقظنا كلما اقترب الخطر، ولترشد المخلصين كلما تاهت البوصلة.

هو لم يكن شهيد سلاح فقط، بل شهيد فكرة، شهيد وحدة، شهيد وطن.. آمن ان اللبناني مهما اختلف في السياسة والمذهب، عليه ان “يتفق” حين تتهدد الهوية وينهار الكيان.

تحذيراته لم تكن موجهة الى النخب وحدها، بل الى كل فرد لبناني يشعر بقلق غير مفسر، بخوف لا يجد له اسما، بوجع لا يقدر ان يحدده..
هو تحدث الى داخلنا، الى ضمائرنا، الى تلك البقعة العميقة في كل واحد منا التي لا تزال تؤمن ان لبنان يستحق الحياة.

ان استذكار الشهيد الكبير الآن، هو استدعاء للصدق مع الذات، لاننا اما ان نكون على مستوى تحذيره… او نكون شهود زور على انهيار لبنان.

– الخطر في الداخل… لا على الحدود فقط

ايها المسيحيون،
ايها الدروز ،
ايها الاحرار في كل الطوائف،

ان اول من سيستهدف في حال انفجر الوضع، “انتم ” من قبل جماعات التكفيريين “ادوات العدو “. ليس لانكم اضعف، بل لانكم رمزية التنوع اللبناني.
المطلوب تفريغ لبنان من تنوعه، كما فرغوا الموصل وحلب والرقة من اقلياتها.

اما المسلمون، سنة وشيعة، فسيستهدفون بطرق اخرى:بالاعلام، بالفتنة، بالتحريض المذهبي، بالتهميش، بالانتحاريين، بالقصف والتدمير ..!!

والعدو الخارجي ينتظر لحظة انهيارنا الداخلي، ليتدخل “كمخلص” ، فيدخل الى ارضنا تحت مسميات متعددة.
سياتي يوم يدعي فيه مستوطنون ان الجنوب اللبناني هو ارضهم التاريخية، كما قالوا عن غزة والقدس. وستبدا مراحل القضم بالتتالي إلى بيروت وفي كل لبنان..
سيقولون: هذه بيوتكم… “كانت لنا”
وسيسهل لهم اختراق الفراغ الداخلي والانقسام.

– الدولة اللبنانية: شلل استراتيجي وخسارة للقرار

لنعترف بوضوح ، السلطة السياسية في لبنان عاجزة عن ادارة الازمة، لا لانها ضعيفة فقط، بل لانها مثقوبة بالارتهانات، مجوفة بالطائفية، مقطعة بالاصطفافات.
لا خطة طوارئ، لا وحدة قرار، لا سيادة فعلية.
الاجهزة الرسمية اقرب الى اجهزة تصريف يوميات، لا ادوات انقاذ.

وهنا، تقع المسؤولية الكبرى على الشعب، لا على الحكومة. اولا : لأنه من انتخب الطبقة السياسية.. اما ثانيا، ففي ظل غياب القرار المركزي، الشعب وحده قادر ان يكون شبكة الانذار المبكر والردع الداخلي.

فالوعي ليس ترفا .. والمراقبة المجتمعية ليست تطفلا و رفض التحريض الطائفي والمذهبي ليس خيارا… بل واجب ..!!

– الجيش اللبناني: العمود الاخير للوطن، ومرآة الشعب الحقيقية

في خضم هذا الانهيار الذي ينهش مؤسسات الدولة، يبقى الجيش اللبناني هو العمود الفقري المتماسك الوحيد، الذي لم يخترق بعد لا طائفيا ولا سياسيا، رغم كل محاولات التشكيك والاستفزاز.

لكن لا بد ان نذكر، ان الجيش ليس مؤسسة فوقية منعزلة عن الناس، بل هو من الناس، من نسيج هذا
” الشعب المنهك” ، من كل بيت وقرية ومدينة ..
هو ابناؤنا، اخوتنا، من كل الطوائف والمذاهب والمناطق، من الشمال الى الجنوب، من البقاع الى الجبل والساحل.. وكل ضابط او جندي فيه، هو شاهد حي على الآم الناس وآمالهم.
لذلك، الدفاع عن الجيش ليس تضامنا مع جهة، بل ” حماية لمرآتنا الوطنية الجامعة” .. .

ومع ذلك، لا يجوز ان نحمله اكثر مما يحتمل. الجيش اللبناني، بواقعيته الحالية، ليس جيشا مخصصا لخوض حروب كبرى، ولا يمتلك التجهيزات اللوجستية الكافية لمعارك اقليمية او صراعات داخلية مفتوحة.. ، هو جيش عقيدة وانضباط، لا جيش دعم وتسليح خارق ..!!

ومن هنا، فان زجه في الفوضى، او جره الى معارك داخلية، او مطالبته باكثر من طاقته، ليس فقط ظلما له، بل مشروع انتحار وطني جماعي ..!

في كل البلدان التي سقطت، سقط الجيش اولا، او تم تدميره عمدا ..
في العراق، جرى حله بقرار خارجي.
في ليبيا، تم تقطيعه بفعل السلاح المنفلت.في سوريا، جرى انهاكه من كل الجبهات..

اما لبنان، بكل هشاشته البنيوية، لا يتحمل مغامرة مماثلة .. لذلك، فان تحصين الجيش، وتامين صموده، هو من اولى اولويات اي لبناني يريد لوطنه البقاء ..

نحن لا نطلب من الجيش ان يحسم الصراعات السياسية، بل نطلب من السياسيين والطوائف والشارع، ان يتفقوا على خط احمر واحد:
“الجيش اللبناني خط السيادة الاخير… لا تقتربوا منه” !

– استراتيجية الدفاع والهجوم: رؤية واقعية لحماية لبنان

لطالما كانت مطالبتي بوضع خطة “استراتيجية دفاعية وطنية” واضحة وثابتة لحماية لبنان ، لكن مع التغيرات الخطيرة والمتسارعة في محيطنا الاقليمي والدولي، بات التركيز على “الدفاع” استراتيجية ناقصة ، بل قد يكون ضعفا ينعكس على قدرة الوطن في الصمود.

في عالم اليوم، حيث تتحول النزاعات من مجرد ردود فعل الى مبادرات استراتيجية، لا بد من بناء خطة استراتيجية لمنظومة امنية متكاملة تجمع بين “الدفاع والهجوم” ، بحيث تكون الدولة والجيش قادرين على صد العدوان، فضلا عن القيام بالمبادرة الاستباقية عند الحاجة، حماية للسيادة، واستباقا لاي تهديد قد يؤدي الى كارثة وطنية.

من واقع تجارب المنطقة، نرى ان القوى التي دمرت او تم تقسيمها كانت تفتقر الى القدرة على المبادرة، مثل:

العراق بعد الاحتلال الغربي 2003: تم حل الجيش وتفكيك المؤسسات الامنية، ما ادى الى فراغ امني رهيب سمح بتفشي الجماعات الارهابية.

ليبيا بعد سقوط القذافي 2011: غياب قيادة مركزية فاعلة جعل البلاد فريسة للميليشيات المتناحرة.

سوريا: التاخر في المبادرات الهجومية افسح المجال لتمدد التنظيمات المسلحة.

في المقابل، دول اخرى حافظت على سيادتها بفضل منظومات “دفاعية وهجومية” متكاملة، مثل:

ايران : طورت منظومة دفاعية وهجومية متوازية، حافظت بها على نفوذها واستقرارها الاستراتيجي. وحالة من” توازن الرعب”..

وقد أكد العديد من الخبراء الأمنيين على أن:
“القدرة على المبادرة في الميدان تعني الحفاظ على المبادئ الوطنية، وتفادي الوقوع في فخ الردود الدفاعية التي قد تؤدي إلى الانهيار.

وفي السياق اللبناني، فإن الحديث عن “نزع السلاح” قبل بناء قوة وطنية متماسكة وفاعلة، أشبه ببناء منزل على أساس هش، معرض للسقوط أمام أول عاصفة سياسية أو أمنية.

كما قال القائد عبد الناصر( رحمه الله ) :
“لا يمكن لأمة أن تبني مستقبلها دون أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها، وليس هناك سلام بدون قوة.”

ويقول الله تعالى:
“وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين.” (البقرة 190)..
وهذا يرسخ مفهوم الردع المشروع والتوازن في الفعل.

ان بناء استراتيجية وطنية ” دفاعية وهجومية ” ليس دعوة للحرب، بل للجهوزية…!! وليس رغبة في الصراع، بل في تجنب الانهيار… .

ووجودها أولوية وكمرحلة اولى قبل الانتقال للحديث عن خطوة ” نزع السلاح” ..ليس العكس .

معركة اليوم: عيون يقظة وضمائر موحدة

المطلوب من كل لبناني، في كل حي وبلدة ومنطقة، ان يكون خفيرا وطنيا حقيقيا .. فمن واجبه ان يبلغ عن اي حركة غريبة، عن اي شخص مشبوه، عن اي نشاط مريب والمطلوب ايضا تطهير الفضاء الرقمي:
كل حساب على مواقع التواصل يحرض طائفيا او ينشر فتنة مذهبية، هو قنبلة موقوتة
اوقفوه، احجروه، نبهوه، طهروه..

– الفتنة ليست تلقائية… انها مدفوعة ومبرمجة

وهنا نفتح ملفا بالغ الحساسية، بعض رجال الدين، في بعض الطوائف، يستخدمون منابرهم للتحريض.لبسوا العمائم او الكهنوت، لا من باب الايمان، بل من باب النفوذ..حاربوا باسم الدين، بينما دينهم منهم براء..اشعلوا الفتنة، وغطوها بالتقوى.هؤلاء اخطر من العملاء الظاهرين، لانهم يدمرون الوطن من على منبر مقدس..

يجب ان نسميهم باسمائهم:
“عملاء الداخل” ولو لبسوا لباس الدين يجب فضحهم، عزلهم، محاسبتهم، وتجفيف منابع تمويلهم وتحريضهم ..

– التجمع الاهلي الوطني: مشروع وحدة قبل الانهيار

في ظل كل ذلك، فاننا لا نملك ترف الانتظار ..ولهذا، ادعو بكل وضوح الى تاسيس تجمع اهلي وطني جامع، يضم وطنيين من كل الطوائف والمذاهب، رجال دين متنورين، ضباطا متقاعدين، مثقفين، شبانا ونساء من كل لبنان.

هدفه:

1- تشكيل مظلة وعي مجتمعي مواز.
2 – خلق قنوات انذار مبكر للتحركات الخطرة.
3 – اعادة صياغة الخطاب الوطني الجامع.
4 – توجيه الطاقات نحو الدفاع الاهلي عن الكيان اللبناني.
5 – توفير قاعدة اجتماعية للضغط من اجل اصلاح سياسي حقيقي.

وهنا اتوقف لاقول بجدية واهتمام لتوضيح الأمور : نحن لسنا بديلا عن الدولة، بل درعها الاخير..
لسنا حزبا، بل حاضنة وعي..
لسنا مشروع سلطة، بل مشروع بقاء..

– اخيرا اقول… لبنان ليس للبيع

كل ما يراد لنا هو ان ننهار من الداخل، ليعاد تشكيلنا من الخارج
ان نقتل بعضنا، لياتي الغريب ويقول: “نحن الحل”! ان نختلف على الصغائر، ليفوز غيرنا بالكبائر..! لكننا ندرك هذا السيناريو نراه قادما، ونعلن بملء الصوت: “لن نلدغ من الجحر مرتين”..

نحن كلبنانيين، نتواجه فكريا، نختلف سياسيا، لكننا سنقف جميعا امام كل مخطط يمزق وطننا..” انا وخيي على ابن عمي، وانا وابن عمي على الغريب ” ..

لبنان لن يكسر، لانكم لن تنكسروا..!
لبنان لن يقسم، لاننا لن نقسم..!!
لبنان باق… لاننا قررنا ان نكون ..!!

 

صوت الذين لا صوت لهم

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

إلى متى التسول ؟

الى متى سيبقى ابناء بيروت وأهلها يتوسلون القريب والبعيد ،الحاضر والغائب حتى يعاد بناء مسجد الحسنين رضي الله عنهما بعد ان هدمته الحرب المشؤومة والتي أصابت بيروت وأهلها في ارزاقهم...

ايران ستنغلق على مذهبها الشيعي ولن تضحي مقدماً من اجل السنة !!

ايران ستنغلق على مذهبها الشيعي ولن تضحي مقدما لأجل السنة، والرأي العام الإيراني حاليا يخدم هذا التوجه، والصيحات تتعالى في طهران وباقي المدن ،للإعلان عن قنبلة نووية شيعية تحمي...

أيُّ دولةٍ تُريدون يا دولة الرئيس؟

مئاتُ الآلافِ من القتلى… وأضعافُ أضعافِهم من الجرحى والمصابين… وجيشٌ من اليتامى، و آخر من الثكالى… مدنٌ سُحِقَتْ أحجارُها، وشوارعُ كان يمرح فيها الصغار، فإذا بها...

بطاقتا الشرع حسمتا الأمر !!

دعوني أوضح لكم أمراً… هناك من لم يستوعب المشهد في الأيام الأولى من التحرير ، فظنّ أن هذه الحكومة جاءت من إدلب معزولة من قاعدة شعبية، وبنوا على هذا الوهم خططهم ومشاريعهم . فتناغم...

وجهة نظر متحفظة على زيارة الشرع للبيت الأبيض

ترامب استقبل الشرع بالبيت الابيض، لكن مبالغات مريدي الشرع معيبة. وايضا ما قاله المعارضون من مبالغة بنتائج البروتوكولات المنقوصة بلقاء الشرع ايضا مبالغ بها ومعيبة. 💥نقلت رويترز،...

نداء جمعية اللجان الأهلية لوزير الداخلية الأمن والأمان قبل الانتخابات النيابية..

تتوجه جمعية اللجان الأهلية في طرابلس بنداء صادق إلى معالي وزير الداخلية والبلديات ،مؤكدة أن ما تحتاجه طرابلس اليوم قبل أي حديث عن الانتخابات النيابية، هو الأمن والأمان. ففي الوقت...