مئاتُ الآلافِ من القتلى… وأضعافُ أضعافِهم من الجرحى والمصابين… وجيشٌ من اليتامى، و آخر من الثكالى… مدنٌ سُحِقَتْ أحجارُها، وشوارعُ كان يمرح فيها الصغار، فإذا بها جبهاتُ نار، مبانٍ التهمتها النيران، وقرىً مُحيت ملامحُها كأنّها لم تكن على الخريطة يومًا…
و… و… و… حصيلةُ عقودٍ طويلة من الصمود ومقارعةِ العدو المحتل، من الدم الذي صار لغتَنا، ومن الفاجعة التي صارت خبزَ يومنا.
ثم يأتي من يقف على هذا الركام ،الممتد من أقصى الجنوب إلى آخر ذرة وجعٍ في هذا الوطن، ليقول لنا في نهاية المطاف: “سنُجري مفاوضاتٍ فوقَ عسكرية معه… وعلى المقاومة تسليمُ سلاحها… لتنخرط في مشروع بناء الدولة!”
أيُّ دولةٍ؟
أيُّ دولةٍ تُبنى فوق دماءِ أبنائها، ثم تُطالِبهم أن ينسَوا مَن قتلهم؟
أيُّ دولةٍ تُشيِّع أبناءَها جيلاً بعد جيل، ثم تُساقُ إلى طاولةٍ لا تعترفُ بدمعةِ أمٍّ ولا بصرخةِ طفلٍ ولا بخرابِ وطن؟
أيُّ دولةٍ هذه التي يُراد لها أن تقوم من دون كرامة، ولا سيادة او ذاكرة، ومن دون روح؟
اسألهم يا دولة الرئيس: كيف تُبنى دولةٌ حديثةٌ بسواعدٍ مُثقلةٍ بجراحٍ لم تلتئم؟
كيف تُصان سيادةٌ منزوعةُ السلاح؟
كيف تُرسَم نهضةٌ فوق أنقاضٍ ما زالت ساخنة من دخان الأمس؟
أيُّ دولةٍ تريدون؟
دولةٌ تُغسَل فيها الذاكرة؟
دولةٌ من دون مقاومة، ولا درعٍ يحمي، لا كرامةٍ تحفظ، ولا صوتٍ يردع؟
دولةٌ محكومةٌ بالهزيمة قبل أن تُكتب وثيقتها؟
أم دولةٌ تُزيَّن بالكلمات بينما يُنتزع لبُّها وروحُها؟
يا دولة الرئيس…
اسألهم بصوت الحقيقة لا المجاملة: من سيحمي هذه “الدولة الحديثة” حين تعود الطائرات نفسها لتحلّق فوق بيوتنا؟
من سيمنع المجازر إن خلع المقاومون دروعهم؟
من سيقف بين الأطفال والبارود؟
ومن سيقول للعدو: هذه الأرضُ ليست سائبةً، وهذا الشعب ليس يتيمًا؟
كيف تُبنى دولةٌ وأكتافُ البنّائين مثقلةٌ بنعوشِ رفاقهم؟
كيف تُصنع “نهضةٌ” فوق جراحٍ تفتّقت صباحًا ومساءً؟
كيف يطلبون من شعبٍ ذاق الموت مرارًا أن يتخلّى عن آخر ما يملكه: حقّه في الدفاع عن نفسه، عن أرضه، عن اسمه، عن طفله الذي يريد أن يعيش؟
كلامي هذا ليس دفاعًا عن حزبٍ أو تيارٍ أو تنظيم، إنما هو كلامٌ حرّ، كلامُ كرامة، كلامُ وطنٍ يريد أن يبقى.
إنه دفاعٌ عن سيادة وطن، عن كرامة وطن، عن حقّ وطن في ألا يُسلَّم مقودُه لأحد.
فالوطن لا يُحفظ بالأمنيات ولا بالتصريحات، بل بالمواقف… وبالتضحيات… وبالرجال الذين يقفون ساعة الخوف.
يا دولة الرئيس…
أيُّ دولةٍ؟
دولةٌ من دون سيادة؟ ولا ذاكرة؟ ولا دموع؟
أم دولةٌ يُراد لها أن تُبنى على الركوع لا على الوقوف؟
لا…
الدولةُ التي تُبنى على أنقاض كرامة شعبٍ ليست دولة.
والسلامُ الذي يُنتزع من أفواه الضحايا ليس سلامًا.
والحداثةُ التي يُراد لها أن تأتي ثمنًا لتسليم مفاتيح الوطن… ليست حداثة.
يا دولة الرئيس…
أيُّ دولة…؟
أجبني…
وفي صدرك بقايا نبضٍ ما زال يعرف معنى الوطن.


