الجمعة، 24 أبريل 2026
بيروت
19°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

لم تقولون ما لا تفعلون

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى:{يا أيها الذين ءامنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون كبُرَ مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} سورة الصف.
إن من جملة ما ابتُلي به كثيرٌ من الناس قديمًا وحديثًا أن ينسب أحدهم لنفسه ما لم يفعله ويُحب أن يُحمد عليه ويغترّ بذلك بينما يعلم في باطنه أنه لا شأن له في ذلك، وهذا خُلقٌ قبيحٌ لا يتَّصف به عادةً إلا من كان فاشلًا ضعيف النفس فيرضى بثناء الناس عليه وتعظيمهم له واغترارهم بما لا يد له فيه، وتراه في واقع الحياة يقول ما لا يفعل ويأمر بما لا يأتي من المكارم وينهى عن المنكرات وهو غارقٌ فيها وينطبق عليه قول القائل:
وجلُّ النَّاس خدَّاعٌ وجانٍ وابنُ خدَّاعِ
يعيثونُ مع الذئب ويبكون مع الراعي
ولا شك أن المرء الذي يحمل هذا الوصف إنما يخوض فيما لا يحبه الله، فمن مدح نفسه بما يعلم أنه كذب فقال فعلت كذا من الخير وهو لم يفعل وأظهر نفسه للناس بمظهر الرجل الصالح وهو يعلم فساد باطنه فإنما هو ممقوت. “والمقتُ البُغض من أجل ذنبٍ يُقارفه الممقوت” واعلم أنه مهما قيل فيك ومهما بالغ المثنون عليك في مدحهم لك فإن نظرك فيك يكفيك، فكل امرئٍ يعرف قدره ومن أقام نفسه فوق ما يُساوي فضحه الله.
وإذا ما كان بعض الناس قديمًا يقولون ما لا يفعلون وغاية أمرهم أن يُجلَّهم الناس فإن هذه الخَصلةَ قد زادت في نفوس كثيرٍ من أدعياء العلم وأصحاب المناصب مع تقدُّم الزمان، وقد توعَّد الله تعالى الذين يوهمون الناس أنهم صُلحاء ليمدحهم الناس بما ليس فيهم لظنهم أنهم أهلٌ للمدح، قال تعالى:{لا تحسبَنَّ الذين يفرحون بما أَتوا ويُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنَّهم بمفازةٍ من العذاب ولهم عذابٌ أليم} سورة آل عمران. والمفازة المنجاة.
وذمَّ ناسًا من بني إسرائيل فقال:{أتأمرون الناس بالبرِّ وتنسَون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} سورة البقرة.
قال أبو حيَّان في “النهر المادّ” “وبنو إسرائيل وإن كانوا المخاطبين بالآية إلا أنها عامة في المعنى”
والهمزة في أتأمرون للاستفهام على وجه التوبيخ والتقريع، والبرُّ فعل الخير من صلة رحمٍ وإحسانٍ وغير ذلك مما فيه طاعةٌ لله، فقد كانوا يأمرون الناس بذلك وينسون أنفسهم أي يتركونها من ذلك البرِّ فلا يفعلونه فيُظهرون أنفسهم للناس بمظهر المصلحين ليُحمدوا بما ليس فيهم ويأتون القبائح والمنكرات بعيدًا عن أعين القوم، وهم مع هذا يتلون الكتاب أي التوراة والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى عليهما السلام.
وفي الآية تنبيهٌ على أن ما صدر منهم خارجٌ عن أفعال العقلاء، فمن لم يُحصِّل مصلحة نفسه فكيف يُحصِّل مصلحةً لغيره لا سيما المصالح التي فيها نجاته في الآخرة.
فعلى المرء إذًا أن يتعقَّل فيربأ بنفسه أن يكون همه تحسين حاله أمام الناس فحسب لا غاية له سوى ذلك، وكلما كان الواعظ عاملًا بما يدعو إخوانه إليه ومنتهيًا عمَّا ينهاهم عنه كلما كان لكلامه وقعٌ أكبر وتأثيرٌ أكثر في أفئدة السامعين، فإن الناس تتأثر بالأفعال كما تتأثر بالأقوال، وقد قال الله تعالى مخبرًا عن نبيه شعيب عليه السلام أنه قال لقومه وهو يدعوهم إلى الهدى:{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} سورة هود. أي ما أريد أن آتي بما أنهاكم عنه من القبائح.
علماء السوء
فإذا عُلم هذا فليعلم كل مُقدَّم قومٍ أنه ينبغي إن نهى عن شىءٍ أن يكون من أبعد الناس عنه وإن أمر بشىءٍ أن يكون من أكثر الناس عملًا به، فقد جاء في “الإحياء” للغزالي عن مالك بن دينارٍ قال: “إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلَّت موعظته عن القلوب كما يزلُّ القَطر (المطر) عن الصفا (الصخر الأملس)” وعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ما من نبيٍ بعثه الله تعالى في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريُّون (أصفياء أمم الأنبياء وقيل أنصارهم) وأصحاب (جمع صاحب والصُحبة الخُلطة على جهة المحبة) يأخذون بسُنَّته (بطريقته وشريعته) ويقتدون (يتأسون) بأمره ثم إنها تخلُفُ (تحدث) من بعدهم خُلُوفٌ (جمع خَلْف بإسكان اللام وهو الذي يخلُف غيره بالشر أما الخَلَف بفتح اللام فهو الخالف بخير) يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون (أي هذه صفتهم فلا يعملون بما يقولون للناس ويفعلون خلاف ما أمر به الشرع فيأتون المنكرات وهم في الظاهر ينهون العباد عنها) فمن جاهدهم بيده (المراد باليد هنا القوة لا خُصوص الجارحة فإن المرء قد يُزيل المنكر بنظرة غضبٍ ينظرها لولده أو لمن له سلطانٌ عليه فيحصل المراد) فهو مؤمن (أي كامل الإيمان) ومن جاهدهم بلسانه (بأن أنكر بالقول شفقةً عليهم أو استعان بمن يُقبَل قوله فيهم لنُصحهم) فهو مؤمن (وتتفاوت مراتب كمال الإيمان في البشر فمن أدى الواجبات واجتنب المحرمات فهو مؤمن كامل ومن تحقق أصل الإيمان في نفسه وقصَّر في أداء الواجبات واجتناب المحرمات فهو ناقص الإيمان) ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن (أي كره ذلك بقلبه وهذا أقلُّ ما يلزم عند العجز عن الإنكار باليد أو اللسان) ليس وراء ذلك (أي كراهة المنكر بالقلب) من الإيمان حبَّة خَردَل (كنى بذلك عن نهاية القِلَّة فإن الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر قليل الإيمان أو أن الذي يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استحسانًا لما يكون من الناس من الحرام الذي نهى الله عنه لا يكون من المؤمنين) رواه مسلم.
وحيث عُلم هذا فلينظر المرء في سيرته وليعمل على تهذيب نفسه، فكم من علماء يدعون إلى الخير ويحضون على الهدى وينشرون الفضائل بين الناس فيأخذ الناس بكلامهم فينتفعون بينما يُخالف قول أولئك العلماء فعلهم، فهم كالمِنخَل يُخرج الدقيق الطَّيب ويُبقي لنفسه النَّخالة.
لا تنه عن خُلقٍ وتأتيَ مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
إبدأ بنفسك فانهها عن غيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لا تأمن ولا تيأس

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيم} سورة المائدة. كم وكم يغرق بعض الناس في مستنقع الحرام...

منزلة الإمام البخاري وكتابه الصحيح

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} سورة المجادِلة. لا يزال...

حجة إبراهيم عليه السلام

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وتلك حُجَّتُنآ ءاتيناهآ إبراهيم على قومه نرفَعُ درجاتٍ من نشآء إن ربك حكيمٌ عليم} سورة الأنعام. لا ريب أن للعقل السليم...

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة. وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم...

برُّ الوالدين وشؤم عقوقهما

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانًا إما يبلُغنَّ عندك الكِبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍّ ولا...

الوقت من ذهب

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور } سورة...