ليسَ من السَّهلِ قراءةُ الأحداثِ في الشَّرقِ الأوسط بمعزلٍ عن تعقيداتِ التَّوازناتِ السِّياسيَّة والعسكريَّة. فحينَ أعلنت بريطانيّا أنَّ إيران ليست الجهةَ التي استهدفت القاعدة العسكريّة في قبرص، بدا المشهدُ وكأنَّه يحملُ رسالةً أبعدَ من مجرّد توضيحٍ تقنيّ حول هويّة الفاعل. اللافتُ في هذه الواقعة أنّ الموقفَ البريطاني تلاقى مع موقفٍ سعوديّ مشابهٍ، إذ صدرت تصريحاتٌ تُشير إلى أنّ طهران ليست مسؤولةً عن الهجوم. وفي خضمّ هذا الجدل، جاء اعتذارُ وزيرِ الخارجيّة الإيرانيّة إلى دولِ الجوار ليضيفَ بُعداً سياسيّاً جديداً إلى القضيّة.
هذا التلاقي في المواقف لم يكن تفصيلاً عابراً. ففي أوقاتِ التوتّر الإقليمي، غالباً ما تُسرِعُ الدُّول إلى تبادُل الاتهامات، لأنَّ الاتهامَ بحدِّ ذاته قد يكون أداةً في الصِّراع السِّياسي. لكنّ ما حدث هنا بدا مختلفاً؛ إذ سعت لندن إلى نفيِ مسؤوليّة طهران بصورةٍ واضحةٍ نسبيّاً، وهو أمرٌ يمكن فهمه في إطارِ محاولاتِ تجنّب توسيع دائرة المواجهة. فاتهامُ إيران مباشرةً كان سيحملُ في طيّاته احتمالَ فتحِ جبهةٍ إقليميّةٍ أوسع، وهو ما تحاولُ عواصمُ عديدة تجنّبه في مرحلةٍ تتّسم أصلاً بقدرٍ كبيرٍ من التوتّر وعدمِ الاستقرار.
في المقابل، جاء الاعتذارُ الإيراني ليعكسَ حرصاً دبلوماسيّاً على تهدئة المخاوف لدى الدُّول المجاورة. فالاعتذار في عُرفِ العلاقات الدَّوليّة لا يُفسَّر دائماً على أنّه إقرارٌ بالمسؤوليّة، بل قد يكون رسالةً تهديفُ إلى منعِ سوءِ الفهم وإلى التأكيد بأنَّ طهران لا ترغبُ في جرِّ المنطقة إلى مواجهةٍ أوسع. وفي بيئةٍ إقليميّةٍ تتداخلُ فيها المصالحُ والحسابات الأمنيّة، تصبحُ مثلُ هذه الإشارات الدبلوماسيّة جزءاً من إدارةِ الأزمة وليس بالضرورة اعترافاً بدورٍ مباشرٍ في الحدث.
ومع ذلك، يبقى السُّؤالُ الأكثر حضوراً.. إذا لم تكن إيران هي الجهةَ المسؤولة، فمن الذي نفّذ الضربة؟ في الشَّرقِ الأوسط كثيراً ما تبقى بعضُ العمليّات في دائرةِ ما يُعرَف بالغموضِ الاستراتيجي، حيث لا تُعلَن المسؤوليّة صراحةً وتبقى الوقائعُ محاطةً بتقديراتٍ استخباراتيّةٍ وتفسيراتٍ سياسيّةٍ متعدّدة. فثمّة جهاتٌ غيرُ دولتيّة، وتنظيماتٌ مسلّحة، وشبكاتُ مصالحٍ متشابكة قد تسعى أحياناً إلى إشعالِ التوتّر بين الدُّول لتحقيقِ أهدافٍ سياسيّةٍ أو عسكريّة.
من هنا يمكن القول إنَّ القضيّة لا تتعلّق فقط بهويّةِ الجهةِ التي أطلقت الضربة، بل بما تعكسه من حساسيّةِ المرحلة التي تمرُّ بها المنطقة. فالمواقفُ التي صدرت عن لندن والرّياض، والاعتذارُ الذي صدر عن وزيرِ الخارجيّة الإيرانيّة، كلّها تُشير إلى وجودِ حرصٍ واضحٍ على منعِ انزلاقِ الأحداث نحو مواجهةٍ إقليميّةٍ أوسع. غير أنّ الغموضَ الذي ما زال يحيطُ بالفاعل الحقيقي يترك البابَ مفتوحاً أمام تساؤلاتٍ أكبر حول طبيعةِ الصِّراعات التي تُدار أحياناً في الظِّل، وحول القوى التي قد تجدُ في إشعالِ الفتن بين الدُّول فرصةً لتحقيقِ مصالحها.


