الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ما بين الصيام و الصوم

د. فلك مصطفى الرافعي/ رئيسة منتدى العلاّمة د . مصطفى الرافعي

هل الصيام هو نفسه الصوم؟ ام انها التربية و الإستعداد بنظام خلاّق يرتقي بإنسانيتنا نحو تنظيم علاقتنا مع الله سبحانه و تعالى و مع انفسنا …
فالصوم كما جاء في التنزيل الحكيم إنحصر فقط في الامتناع عن الكلام ، بينما الصيام هو الامتناع عن الطعام ليبقى اللسان هو الجامع المشترك ببن الاثنين..
فالطعام بحاجة إلى وظيفة و كذلك الكلام ، و مامن صوم ينهي عن كل ما يفسد الصيام ، فلكلٍ من الأمربن خصوصيته، وهذا ما حدث للنبي زكريا عليه السلام عندما بشّرته الملائكة و هو في شيخوخة بمولود صالح ، فطلب ان تكون له آية تبريرية في ذلك، فكان الرد الإلهي بأن آيته ” ألّا يكلم الناس ثلاث ليال سويا ” و ان يخرج الى قومه من محرابه ليوحي إليهم ان يسبّحوا الله بكرة و عشيا…. فكان الصوم عن الكلام هو الكفّ عن أي منغّص للعبادة بل هو في قمة آيته يأمر الناس بالمعروف و ينهاهم عن المنكر ، و من ينخرط في الصوم يتمتع بطيّبات ما احل الله من كل ملذات الدنيا ، و كذلك يحسم الصوم الأمر في الحادثة الكبرى التي لن تكون سواها لا مكانا و لا زمانا عندما خضعت سيدة الدنيا و الآخرة العذراء مربم عليها السلام لإمتحان كبير ان تلد دون زواج و تحبل دون دنس لتلد سيّدنا المسيح عليه السلام في خبر القرآن الكريم الذي حثّها ان تأكل و تشرب و تقرّ عينها ” فإما ترين من البشر أحدا فقولي اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلّم اليوم إنسيّا ” ، و هذا في تطابق تام في أمرين و في معجزتين و في ولادتين لنبيّين كريمين يحى و عيسى عليهما السلام ..
فصيام السيدة البتول ما كان استكباراًو لا حياءً ، و إنما يأتي سياق الصوم في التحقق من مقدرة الخالق و معاينة المعجزة الكبيرة حتى لا يتسلل الشك او الكفر و الإنحراف الى قلبها و مال عن جادة الصواب ، ان يرعوي و يعود إلى جادة الحق و الانصياع .. و هذا الصوم ترك إشكالية كبيرة نأت بها السماء ان تخاض بحوار مع السيدة ، بل كان بين قومها الذين زاغت ابصارهم و تاهت عقولهم إلا من رحم الله سبحانه و تعالى حيث رأى الآية الكبرى الإعجازية بعد سلسلة من المعجزات سبقها ، و لعل اعظمها يوم شقّ الله سبحانه و تعالى طريقا في اليمّ لسيدنا موسى و من آمن معه و أغرق من لحق به فكان الإعجاز الخارق بسيد ونبي، و رسالة إنسانية للسلام و المصالحة و الركون الى ظلال الإيمان و الإنتهاء عن الشك و الممانعة و التردد و الاحتيال من قوم لم يزالوا حتى اليوم يعيثون في الارض فسادا و اغتصابا ..
اما آية الصيام فتشير لفظا الى الكلمة ” كُتب عليكم الصيام ” و أولى مداركه الامتناع عن الطعام و مفسدات الصيام و ليس صوما عن الكلام إلا ما يؤخذ عليه و يحاسب من قول الزور و الفساد اللفظي، و خاصة المشّاؤون في الغيبة و النميمة، و هنا يأتي التذكير بضرورة إعتماد فضيلة الصوم عن الكلام إلا خيرا و ذكرا ..
و نحن نرى بأم أعيننا و نسمع و نعلم عن تدنّي مستويات التخاطب ليس بين العامة ففط ، و إنما تجاوز ذلك الى الخاصة من أولى الرأي و القيادة و الحكم و السياسة و الإدارة ، حيث التصادم في الكلام المفضي الى تشابك و اعنماد لغة الاحذية في،أقذع اوصافها ، و نرى التراشق الاعلامي المهين ببن من حملوا أمانة تمثيل شعوبهم الى مساجلات يندّى لها الحببن ببن معظم حكام العالم الذين يحشدون الإحتقانات من وراء تسليط اللسان في اعراض و في نكد و في شتائم وتقاتل ، فإذا بنا نرى الاخ يأكل لحم أخيه ميتا او نازفا ، و نسمع عن خزايا ما كانت لتقارب مخيلتنا غير انها احتلت بفظاظة نشراتنا الإخبارية و اعمدة صحفنا ، فالرياح تصوم عن الضجيج و تصالح الزرع و الشجر في صوم تجلّى في خير بينما العاصفة الهوجاء تحدث أصواتا و تخلف كوارث و صوم الأنهار خريرا هادئا يروي و يهادن و حديث الزلازل هو الهول والخوف ..
و ياليت قومنا في صوم إلا من ورقة في صندوقة الإقتراع ليمضي البلد لإستكمال هيئته القيادية.
و يا ليت المدافع المزمجرات تصوم عن إرتكاب معاصي هدر الدم و تمزيق الأبرياء إلى اشلاء،.
و ليتنا نأخذ من عبرة الصوم تدريبا قبل الإنخراط في الصيام المعهود ..
ما بين الصيام والصوم اعمدة مدارس لتربية الناس على قول الحق و ترك الأباطيل و الإستئناس براحة اللسان إلا من قول حكيم و صناعة معروف .
…. من صوم مقبول الى صيام مرتجى نكون من السعداء إن افلحنا في طلب الجائزة..

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...