السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

كارولين ياغي

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. إن التوغل الإسرائيلي المتزايد جنوباً والسيطرة على مواقع استراتيجية مثل قلعة الشقيف، وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات باتجاه مناطق تقع شمال خطوط الاشتباك التقليدية، كلها مؤشرات تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت إسرائيل تعمل على فرض واقع جغرافي وسياسي جديد طويل الأمد.
وبينما تتواصل المساعي الدبلوماسية لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق الوضع نحو حرب شاملة، يعيش عشرات الآلاف من اللبنانيين واقع النزوح والخوف وفقدان المنازل وسبل العيش. قرى بكاملها تعرضت لدمار هائل، في مشهد يعيد إلى الأذهان صوراً مؤلمة من حروب سابقة ظن كثيرون أنها أصبحت جزءاً من الماضي.
يرى البعض أن ما يحدث ليس إعادة تقسيم جغرافية بالمعنى التقليدي للكلمة، فلا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على تغيير رسمي للحدود المعترف بها دولياً. لكن ذلك لا ينفي وجود محاولات لإعادة تشكيل خرائط النفوذ والسيطرة والأمن. ففي عالم اليوم، قد لا يكون تغيير الحدود هو الهدف الأول، بل فرض مناطق عازلة، وإعادة توزيع مراكز القوة، وخلق وقائع ميدانية تصبح مع الوقت حقائق سياسية يصعب التراجع عنها.
وهنا تبرز المخاوف المتزايدة من أن يتحول الجنوب اللبناني إلى نموذج جديد من إدارة الصراع عبر الجغرافيا حيث تصبح بعض المناطق غير قابلة للحياة الطبيعية، وتُفرض ترتيبات أمنية بحكم الأمر الواقع، بينما يبقى الحل السياسي مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل التصعيد في لبنان عن التعثر المستمر في المفاوضات الأميركية الإيرانية. فكلما ازدادت الهوة بين واشنطن وطهران، ارتفعت احتمالات استخدام ساحات المنطقة كورقة ضغط متبادلة. لبنان، بحكم موقعه وتركيبته وتعقيداته الداخلية، يبقى أحد أكثر هذه الساحات حساسية وتأثراً.
أما الحديث عن “شرق أوسط جديد”، فهو ليس جديداً في ذاته. فقد تكرر هذا المصطلح مراراً خلال العقود الماضية، من غزو العراق إلى الحرب السورية وصولاً إلى اتفاقات التطبيع والحروب المتلاحقة في غزة. لكن الجديد اليوم هو حجم التشابك بين الملفات، وسرعة التحولات، وتراجع قدرة القوى الإقليمية التقليدية على ضبط مسار الأحداث.
في النهاية، قد يكون من المبكر الجزم بأن المنطقة تتجه نحو إعادة تقسيم شاملة أو انهيار كامل للنظام الإقليمي القائم. لكن من الواضح أن الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل سنوات لم يعد موجوداً بالشكل نفسه. هناك خرائط جديدة تُرسم، ليس بالضرورة على الورق، بل على الأرض وفي موازين القوى وفي معادلات الردع والسياسة.
ويبقى لبنان، كما كان دائماً، في قلب العاصفة؛ يدفع أثمان الصراعات الكبرى، بينما ينتظر أبناؤه إجابة ما زالت غائبة: هل ما يجري مجرد محطة جديدة في صراع طويل، أم أننا نشهد بالفعل ولادة شرق أوسط مختلف تماماً ؟

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...