مشاهد استفزت ذات يوم إسرائيل وهزت أركانها ، ظهر فيها رئيس الوزراء الاسباني السابق خوسيه لويس ثاباتيرو مرتديا الكوفية دعما للقضية الفلسطينية ، وخلال الظهور نفسه لم يتردد ثاباتيرو لحظة في توجيه انتقادات لاذعة الى حكومة أيهود أولمرت ، اتهمها فيها باستعمال القوة المفرطة حيال اللبنانيين في حرب تموز يوليو 2006 ، اسبانيا على الرغم من كونها دولة أوروبية إلا أنها تظهر استثناءً داخل المنظومة في ما يخص علاقتها بالكيان الإسرائيلي ..
ويحفظ التاريخ لها مواقف كثيرة في هذا الصدد ، ويأتي في مقدمتها اعترافها المتأخر جداً بإسرائيل ، فعلى الرغم من إعلان تأسيس إسرائيل عام 1948 إلا أن الاعتراف الاسباني بها لم يأت إلا بعد نحو 38 عاما ، وموقف آخر برز في يونيو حزيران عام 1967 حين سارعت اسبانيا الى استنكار ما قالت أنه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية ، وجعلت التقارب الدبلوماسي مع الكيان مرهونا بالانسحاب من تلك الأراضي بالإضافة الى شرط تدويل قضية مدينة القدس .
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد إذ لا نفتأ نسمع من حين الى آخر تصريحات لمسؤولين اسبان تصطف اصطفافا علنياً مع الفلسطينيين وقضيتهم ، وتكون كفيلة بما يكفي لإثارة سخط الإسرائيليين ، ليس ببعيد فقبل عامين فقط أكدت نائبة رئيس الوزراء ” يولاندا دياز ” بأن فلسطين ستتحرر من النهر الى البحر ، وتصريحات أخرى لوزيرة الدفاع ” مارغريتا روبليس ” وصفت فيها ما يحدث في قطاع غزة بإبادة جماعية حقيقية ، والسؤال : ما سبب هذه الخصومة التاريخية بين الطرفين .
في ثلاثينيات القرن الماضي وتحديداً بين عامي 1936 و 1939 شارك أعضاء من منظمة الصهيونية العالمية في صفوف الجمهوريين الاسبان أثناء الحرب الأهلية ، موقف لم يعجب حاكم اسبانيا آنذاك الجنرال فرانسيسكو فرانكو فما كان منه إلا أن اتهمهم بالخيانة والتآمر مع الانفصاليين الكتالونيين ، لتدمير وحدة اسبانيا وقيمتها وكنيستها وما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وتأسست منظمة الأمم المتحدة رسميا عام 1945 حتى شرعت المنظمة الى جانب دول أخرى في شن حملة دبلوماسية كبيرة لمنع قبول عضوية اسبانيا فردت الأخيرة على الخطوة بعدم الاعتراف بما يسمى ب ” دولة إسرائيل ” .
باختصار … تلخص العلاقة بين الطرفين خلال حكم فرانكو بأنها كانت قائمة على الكره المستحكم والقطيعة وعلى الرغم من أن منظمة الحركة الصهيونية بذلت لاحقاً جهوداً حثيثة لفتح قناة اتصال مع مدريد ، وقدمت مقترحا لتطبيع العلاقات الا أن فرانكو رفض الأمر جملةً وتفصيلا ، وشهد الموقف تصعيداً مع منع اسبانيا في حرب أكتوبر تشري الأول عام 1973الولايات المتحدة الأميركية من استخدام قواعدها العسكرية فوق أراضيها لإرسال الأسلحة الى إسرائيل ، وبعدها في عام واحد فقط صوتت مدريد لصالح قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3236 و 2337 اللذين اعترفت فيهما بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً له .
في عام 1975 توفي الجنرال فرانكو فراحت إسرائيل ترقص فرحا ونقلت صحفها خبر الوفاة حينها على أنه نهاية حقبة الديكتاتورية في اسبانيا ، وسعيا منها في تحسين العلاقات سارعت الى إرسال دبلوماسيين الى مدريد للإلحاح على قادتها الجدد للتقارب معها ، الا أن هذه المساعي أيضاً لم تجد نفعاً ، فعلى الرغم من تغير الحكم واستلام أدولفو سواريز دفة الحكم ، ظل الموقف الاسباني من الاعتراف بإسرائيل على ما هو عليه ، ولم يقتصر الأمر على المستوى الرسمي فحسب بل كل تحرك لإسرائيل كان يقابله رفض الشارع الاسباني أيضا تماما مثلما حدث خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 إذ شهدت عدد من المدن الاسبانية إحتتاجات ضخمة رافضة للاجتياح ، وتعاظم الغضب في أعقاب مذبحة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها المئات من الضحايا .
مرحلة التطبيع مع وصول الحزب الاشتراكي العمالي الى الحكم في اسبانيا ، وتحديدا في مطلع 1986 وصلت إسرائيل الى مبتغاها بإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع اسبانيا ، أعلن على إثرها تبادل السفراء هذه الخطوة الكبيرة في تحول العلاقات لم تحل دون تأكيد اسبانيا على موقفها الداعم للقضية الفلسطينية ورفضها سياسات الاحتلال في فلسطين ، لاحقا شهدت العلاقات تطوراً ملحوظاً وتوسع التعاون في مجالات التجارة والسياحة والعلوم والثقافة .
ولعبت مدريد دور الوسيط بين إسرائيل وفلسطين وفي عام 1991 استضافت اسبانيا مؤتمر سلام الشرق الأوسط تحت رعاية الولايات المتحدة وروسيا ، وحضرته إسرائيل الى جانب وفد منظمة التحرير الفلسطينية ومهد المؤتمر الطريق لتوقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر أيلول 1993 …
العودة الى العلاقات المتأرجحة في أعقاب وصول الحزب الشعبي الاسباني الى السلطة عام 1996 تراوحت علاقات الطرفين بين المد والجزر ، وذلك على خلفية مواقف مدريد المناهضة للانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين ، ظل التوتر سيد الموقف أعواماً طويلة وكلما شنت إسرائيل حربا على غزة برزت اسبانيا داعمة لفلسطين ولم يتوقف الدعم على مستوى التصريحات فقط بل تبعتها إجراءات فعلية على أرض الواقع فخذ مثلا الحرب عام 2014 ، علقت اسبانيا مبيع الأسلحة الى إسرائيل .
وفي ال28 من يناير كانون الثاني 2015 حمّلت مدريد إسرائيل مسؤولية مقتل جندي اسباني من قوات اليونيفيل في تبادل لإطلاق النار مع حزب الله ، على الحدود الإسرائيلية اللبنانية وفي الحرب الأخيرة على القطاع بلغ التوتر ذروته وعاد العداء التاريخي الى الواجهة كما لم يكن من قبل إذ أظهرت حكومة بيدرو سانشيز موقفاً قوياً ضد العدوان الإسرائيلي وقوبل هذا الموقف باستياء شديد من حكومة نتنياهو التي سرعان ما اتهمت مدريد كعادتها بمعاداة السامية .
ثم تتالت الإجراءات الاسبانية تارةً عبر تعليق تراخيص تصدير الأسلحة الى إسرائيل وأخرى عقب فرض عقوبات على 12 مستوطنا بتهمة ارتكاب جرائم عنف ضد الفلسطينيين ، وفي مايو أيار 2024 استشاطت حكومة نتنياهو غضبا على خلفية اعتراف اسبانيا بدولة فلسطين ، وهو ما دفع إسرائيل الى استدعاء سفيرها لدى مدريد ، وخفض تمثيلها الدبلوماسي الى مستوى القائم بالأعمال ، ولم يمض سوى يومين حتى ردت اسبانيا برفض السماح لسفينة تحمل شحنة أسلحة متجهة الى إسرائيل بالرسو في ميناء قرطاجة .
ومع تصاعد التوترات الأميركية الإسرائيلية الإيرانية نهاية فبراير شباط 2026 حافظت على موقفها المناهض وأعلنت اغلاق مجالها الجوي مجالها الجوي أمام جميع الطائرات ذات الصلة بالحرب ، وهو ما دفع نتنياهو الى نعت اسبانيا بالنفاق ، في حين أن الإعلام الإسرائيلي وصفها بالأكثر عداءً لدولتهم المزعومة في عموم أوروبا .


