لم يعتد العم إلياس على غياب الحاج عبد الله بعد؛ صديقه منذ نعومة أظافره، زميله في العمل، ورفيق دربه في كل تقاطعات الحياة. لطالما تبادلا الزيارات والضيافات، وتشاركا السهرات العائلية المليئة بالضحك والقصص الحلوة. لكن منذ خمس سنوات، انقلب كل شيء؛ أصبحت الزيارات من طرف واحد، إذ صار إلياس يأتي وحيدًا لزيارة قبر صديقه في جبانة الشهيدين – الغبيري، يحمل بين يديه الماضي كله، ويسرد للحجارة ذكريات عمر امتد سبعين سنة.
التقيت به هناك، بينما كنت أغسل ضريح والدتي. رجلٌ عجوز قد أنهكه العمر، لكن الذي كسره وأضعفه كان رحيل صديقه العزيز، “عزيز الروح”، كما يحلو له أن يناديه. جلس عند القبر، يتحدث إلى نفسه كأن روح عبد الله قد عادت لتجالس روحه. همس بصوتٍ خافت، لا يسمعه إلا هو: «وين تركتني وفلّيت؟ أنا هلّق بحاجة إلك أكتر من أي وقت مضى… إنت كنت كل أهلي، وأصحابي، وأحبابي.»
أشعل بخورته، ونظر بعيدًا، مسبحة وصليب يلمعان على عنقه، مشهد أثار فضولي. اقتربت منه وسألته بلطف: «مرحبًا يا عم، مين عندك هون؟»
وضع يده على قبر عبد الله وأرخى عينيه، قائلاً بصوت متهدّج: «أنا ودّعت هون نصّي التاني… نصّي الحلو، نصّي الطيب. ودّعت خيّي وحبيبي.»
سألته عن أصله، فأجاب بثبات: «أنا لبناني. لبنان ديني، وهويتي، وانتمائي. أمّا عبادتي فبيني وبين الله.»
تأثرت، صافحته وقبّلت جبينه، وسألته عن من أين من لبنان، فقال بابتسامة تحمل ذكريات العمر كله: «من الشياح، ساكن بعين الرمانة.»
وعن الحاج عبد الله: «الله يرحمه… من صور.»
وبدا العم إلياس يسترجع الذكريات، صوته يعلوه الحنين أحيانًا والضحك أحيانًا أخرى: «أووووف، قصة طويلة عمرها حوالي سبعين سنة… البداية في مدرسة الشياح الرسمية، درسنا سوا، ثم اشتغلنا بقطع السيارات، وكبرنا، وتزوجنا، وكبروا أولادنا… مرت الحوادث، بنت سافرت، شبان توفوا بحادث سير… كل هذا كان مزيجًا من الضحك والحزن معًا.»
ابتسم فجأة وقال: «بالعادة كنا متفقين إذا حدا وقفنا بالشرقية يسمي حاله طوني وبالغربية بسمي حالي خالد. مرة كنا راجعين من السينما بوقت متأخر… وقفونا أربع مسلحين، سألونا من وين الشباب؟ صرنا ننظر لبعض، مش عارفين شو نجاوب، المنطقة اللي وقفونا فيها منطقة تماس وما عارفين مين اللي وقفنا… بعد لحظة، قالولنا طلعوا كل شي معكم!»
ضحك بصوت عالٍ، ضحكًا مليئًا بالمرارة والفكاهة معًا، وقال: همس لي عبد الله: «الحمد لله طلعوا مشلحين، مش ميليشيات.»
وتابع العم إلياس: «شلحونا وزعبونا هههه… لو ميليشيات كانوا صفّونا، رجعنا عالبيت مشي، بس طول الوقت كنا عم نضحك.»
«بخاطرك» قال العم إلياس وغادر وهو ينظر إلى القبر، بين الحزن والحنين والضحك، كأن الحياة كلها قد مرت أمامه في تلك اللحظة: الماضي والحاضر، الصديق الغائب وذكرياته الخالدة، الحزن الذي يثقل القلب، والضحك الذي يخفف وطأة الغياب.
كان هناك شيء في هذا المشهد، شيئًا يجعل كل من يراه يشعر أن الحياة ليست مجرد فقد، بل رحلة من الذكريات والقصص والضحكات والبكاء، تتناوب فيها المرارة مع الحنان، حتى تكتمل صورة الوفاء الحقيقي للصديق والروح. ثم قال: «بزورك بكرا يا عبد الله.»


