تُشير الضربات الأمريكية الواسعة التي استهدفت عشرات المواقع العسكرية الإيرانية إلى أن مرحلة التهدئة التي شهدتها المنطقة لم تكن سوى هدنة هشة، وأن أي حادث أمني كبير كان كفيلاً بإعادة إشعال المواجهة. وبحسب ما أعلنته واشنطن، جاءت هذه الضربات ردًا على الهجمات التي استهدفت سفنًا تجارية في مضيق هرمز، في عملية وُصفت بأنها الأقوى منذ أيام، وشملت أكثر من ثمانين هدفًا عسكريًا إيرانيًا.
هذا التطور يطرح سؤالًا جوهريًا: هل عادت الحرب الأمريكية – الإيرانية، أم أننا أمام جولة ضغط جديدة تسبق العودة إلى طاولة التفاوض؟
المؤشرات الحالية تدل على أن مسار المفاوضات تلقى ضربة قاسية، وأن الثقة بين الطرفين تراجعت بصورة كبيرة. غير أن التجارب السابقة تؤكد أن واشنطن وطهران كثيرًا ما تمزجان بين القوة العسكرية والاتصالات السياسية، لذلك فإن التصعيد لا يعني بالضرورة إقفال باب التفاوض نهائيًا، لكنه يجعل العودة إليه أكثر صعوبة وتعقيدًا.
الأخطر في المشهد ليس حجم الضربات بحد ذاته، بل احتمال توسع دائرة المواجهة. فإذا قررت إيران الرد باستهداف القواعد الأمريكية أو توسيع عملياتها في مضيق هرمز، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة استنزاف عسكري واقتصادي ستكون انعكاساتها عالمية، بدءًا من ارتفاع أسعار النفط، مرورًا باضطراب حركة التجارة الدولية، وصولًا إلى زيادة المخاطر الأمنية في الشرق الأوسط.
أما لبنان، فلا يستطيع أن يتعامل مع هذه التطورات وكأنها بعيدة عنه. فكل تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، سواء عبر الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية. ومن هنا، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تحصين القرار الوطني وإبعاد لبنان عن سياسة المحاور، لأن أي انزلاق جديد قد يحمّل اللبنانيين أثمانًا لا قدرة لهم على تحملها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب قد تبدأ بضربة محدودة، لكنها قد تتحول سريعًا إلى نزاع إقليمي واسع إذا غابت قنوات الاحتواء. ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة؛ فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في وقف الانحدار نحو مواجهة أكبر، وإما أن يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تكون أكثر خطورة من كل ما شهدناه خلال الأشهر الماضية.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تبادل للضربات، بل إعادة رسم لموازين القوى في المنطقة. والسؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط ليس من ربح الجولة الأولى، بل من يستطيع منع الجولة الأخيرة.


