السبت، 7 مارس 2026
بيروت
16°C
غائم جزئي
AdvertisementAdvertisement

هل يُعَدّ صمود إيران اليوم انتصاراً… أم تأجيلاً لحسمٍ أكبر؟

في الحروب الكبرى، لا تُقاس النتائج دائماً بعدد الضربات أو حجم الخسائر في اللحظات الأولى. فالتاريخ العسكري يُظهر أن المرحلة الأولى من أي مواجهة غالباً ما تكون مرحلة الصدمة، حيث يراهن طرف على انهيار سريع لخصمه. لكن عندما لا يحدث هذا الانهيار، تبدأ مرحلة مختلفة تماماً من الصراع.

ما جرى في المواجهة الأخيرة يطرح سؤالاً أساسياً: كيف استطاعت ايران أن تُظهر قدرة على الصمود رغم استهداف قيادات عليا ورغم مواجهتها قوتين عسكريتين كبيرتين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين يُقال عنهما إنهما من أقوى الجيوش في العالم؟

الجواب لا يكمن في عامل واحد، بل في طبيعة النظام الإيراني نفسه. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، بُنيت بنية السلطة بطريقة تجعلها أقل اعتماداً على شخص واحد وأكثر اعتماداً على منظومة مؤسسات مترابطة. فهناك قيادة دينية وسياسية، وهناك مؤسسات عسكرية وأمنية واسعة، وعلي رأسها حرس الثورة الإسلامية التي تمثل أحد أعمدة النظام.

هذا النوع من الأنظمة صُمّم أساساً ليكون قادراً على امتصاص الضربات الأولى. فحتى عندما تُستهدف قيادات عليا، يبقى هناك تسلسل قيادي بديل يمنع الانهيار السريع الذي تراهن عليه عادةً الاستراتيجيات العسكرية في بدايات الحروب.

إلى جانب ذلك، تلعب الجغرافيا دوراً مهماً. فإيران ليست دولة صغيرة يمكن حسم المعركة فيها بضربة مركزة. إنها دولة واسعة جغرافياً وسكانياً، تمتلك بنية عسكرية موزعة ومراكز قوة متعددة، ما يجعل أي مواجهة معها أقرب إلى صراع طويل لا إلى ضربة حاسمة.

لكن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية: تأثير الهجوم الخارجي على الداخل. ففي كثير من الدول، تؤدي الضربات الخارجية إلى ما يُعرف في علم السياسة بتأثير “الالتفاف حول الدولة”. أي أن الانقسامات الداخلية قد تتراجع مؤقتاً عندما يشعر المجتمع أن بلده يواجه تهديداً خارجياً مباشراً.

مع ذلك، فإن صمود إيران حتى الآن لا يعني بالضرورة أن المعركة قد حُسمت لمصلحتها. ففي الحروب الاستراتيجية، قد يكون الصمود في المرحلة الأولى مجرد منع للانهيار السريع وليس نصراً نهائياً. فالصراعات الكبرى تُحسم غالباً على المدى الطويل، عبر الاقتصاد، والقدرة على الاستمرار، وإدارة الضغوط السياسية والعسكرية.

لهذا السبب، قد يكون ما نشهده اليوم هو بداية مرحلة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط، لا نهايته. مرحلة تُعاد فيها صياغة قواعد الردع بين إيران من جهة، وخصومها الإقليميين والدوليين من جهة أخرى.

أما بالنسبة للمنطقة، وخصوصاً لبنان، فإن السؤال الأهم ليس فقط من صمد ومن تراجع، بل كيف ستنعكس هذه المواجهة على توازنات الشرق الأوسط. فلبنان كان دائماً جزءاً من معادلات الصراع الكبرى، وغالباً ما يجد نفسه في قلب التحولات الإقليمية.

في النهاية، قد لا يكون صمود إيران اليوم انتصاراً كاملاً، لكنه بالتأكيد كسر الرهان على انهيار سريع. وهذا بحد ذاته قد يغيّر حسابات القوى في المنطقة ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...

موقفٌ مشرّف لأهل السنّة مع إخوانهم الشيعة النازحين

في أوقات الرخاء قد يختلف الناس في السياسة، وتتباين آراؤهم في الشأن العام، وتعلو الأصوات أحيانًا في جدالاتٍ لا تنتهي. لكن حين تهبّ العواصف الكبرى، وحين تضيق الأرض على أهلها بفعل...

نقطة ضعف ... الأقوياء

لا ريب ان قراءة القرآن في رمضان هي القلب التعبّدي للطاعة المميّزة ، و من المؤكد ان معظم القصص قرأناها لمرات عديدة، وربما أحسست ان البعض منها كأني اتلوها لأول مرة و أتعجب من ذاكرة...

دير الأحمر تفتح ابوابها من جديد لمهجري الجنوب

كعادتها، تُثبت دير الأحمر، الأخت الشقيقة لبعلبك والهرمل، في أصعب الظروف وأحلكها، أنها مبادرةٌ لا تتردّد، وحاضنةٌ لا تتفرّج. وكما في أيلول 2024، ها هي اليوم، وفور اندلاع العدوان...