بقلوب مثقلة بالحزن والأسى، أودع اليوم زميلتي العزيزة والصديقة الغالية يمنى شري، التي رحلت عن عمر ناهز الخامسة والخمسين، تاركة فراغا لا يمتلئ إلا بذكراها الطيبة وابتسامتها الرقيقة التي ستظل عالقة في الذاكرة.
عندما قرأت خبر وفاتها، صدمت بشدة، وكأن الزمن توقف للحظة. حاولت أن أرفض الحقيقة، أن أقول لنفسي ربما هناك خطأ، ربما لم ترحل بعد… لكن الحقيقة كانت قاسية: يمنى رحلت، وتركت قلبي مثقلا بالحزن، وجدت ان دموعي لم تجف على الرغم من كل ما اعتقدت أنه صعب الحزن عليه . تأخرت عن كتابة أي كلمة عنها، لأن قلبي لم يصدق أنها رحلت عنا بالفعل، ولم أستطع مواجهة هذا الفقد المفاجئ.
يمنى لم تكن مجرد زميلة في كلية الإعلام، الفرع الأول ( الجامعة اللبنانية ) ، بل كانت روحا رقيقة وناعمة، تتوهج بين دفاتر الملاحظات والصفوف، تحمل شغف الإبداع وجدية لا مثيل لها. كانت غالبا تلبس اللون الأسود، وكأنها تعرف، بطريقة غامضة، أنها سترحل عنا باكرا، تاركة أثرها المضيء في كل مكان وطريق سلكته. خلال سنوات الجامعة، واجهت تحديات كثيرة؛ حادث كسرت فيه يدها، وظلم وشراسة تعرضت له من أحد الأساتذة، لكنها صمدت بإصرار وعزيمة، ولم تسمح لأي عقبة أن تضعف روحها أو تكسر إصرارها على تحقيق أحلامها.
كانت زمالتها تجربة لا تنسى، جلسات الدراسة الطويلة، النقاشات الصادقة، الضحكات التي كانت تملأ القاعات، وكل همسة صغيرة كنا نتبادلها عن أحلامنا المستقبلية، كلها ذكريات محفورة في قلبي. يمنى كانت شاطرة، مميزة، تعرف كيف تلهم من حولها، وكيف تجعل لكل فكرة قيمة ومعنى، وكيف تحول الأحلام إلى واقع ملموس.
عبور يمنى لم يقتصر على الجامعة، بل امتد إلى العالم الإعلامي، حيث أصبحت شخصية مشهود لها بالكفاءة والمهنية. أثبتت أن الإبداع لا يعرف حدودا، وأن الإرادة القوية تتجاوز كل تحد وصعوبة. كل من عرفها في الإعلام يعرف أنها ليست مجرد إعلامية، بل هي مثال حي على النجاح المبني على الشغف، الصدق، والأخلاق .
على الرغم من أن طرقنا افترقت بعد الجامعة، ظلت روحها حاضرة من خلال إنجازاتها الإعلامية، وكأنها لم تفارقنا يوما، تذكرني بالزمالة الجميلة التي جمعتنا، وبالأيام التي كنا نرسم فيها أحلامنا معا بين دفاترنا وجدران الجامعة. اعتقدت أن دموعي قد جفت من كثرة البكاء و الحزن على أخبار غزة، لكن خبر وفاتها أعاد إلى عيوني الدموع الاليمة ، وأكد لي أن هناك فراغا لا يسد، وأن فقدانها أكبر مما تصورت.
رحمك الله يا يمنى، وأسكنك فسيح جناته، وستظل ذكراك الزملائية، طموحك، موهبتك، وروحك الرقيقة والقوية، محفورة في قلبي وقلوب كل من عرفك. الجامعة التي جمعتنا بك ستظل تفخر بوجودك بين جدرانها، وستبقى زمالتنا درسا حيا في الصمود، الطموح، والإبداع، وجمال الروح الذي لا يزول.
ستظلين دائما في ذاكرتي كصديقة، زميلة، وإعلامية متميزة، وكروح تلهم كل من يمر بها.
رحمك الله يا يمنى، ودمت في قلوبنا إلى الأبد ..


