السبت، 7 مارس 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

َهْمُ الدَّولةِ المَدَنيّة في لُبنان حين يُسوَّق المُستحيل كحلّ

ليسَ في لُبنانِ أزمةُ نظامٍ فقط، بل أزمةُ وَهْم.
وهمٌ جرى تسويقه على مدى عقود باعتباره العلاج السحري لكلّ علل الدولة، فيما هو في جوهره هروبٌ من الحقيقة لا مواجهتها.
ذلك الوهم اسمه الدولة المدنيّة.

يُقال للبنانيّين إنّ خلاصهم يكمن في إلغاء الطائفيّة، وكأنّها مجرّد مادّة دستوريّة قابلة للشطب، أو خلل إداري يمكن إصلاحه بمرسوم. غير أنّ هذه المقاربة، مهما بدت أخلاقيّة وجذّابة، تتجاهل واقعًا تاريخيًّا واجتماعيًّا لا يمكن القفز فوقه.

فالطائفيّة في لبنان ليست اختراعًا سياسيًّا حديثًا، ولا انحرافًا طارئًا على مسار الدولة، بل بِنيةٌ تاريخيّة سابقة على قيام الجمهوريّة نفسها. جذورها ضاربة في عهود الإمارات، ومتجذّرة في الوعي الجمعي منذ ما قبل دولة لبنان الكبير، وتحوّلت مع الزمن من إطار اجتماعي إلى نظام حكم فعلي.

من أحداث القرن التاسع عشر الدامية، إلى المتصرّفية، إلى الميثاق الوطني، ثمّ إلى الحرب الأهليّة، لم تكن الطائفة يومًا مجرّد انتماء ديني، بل وحدة أمان وصراع وتنظيم. وبعد الحرب، لم تُفكَّك هذه البنية، بل أُعيد تدويرها تحت عناوين جديدة، أكثر أناقة وأشدّ نفاقًا.

لبنان، ببساطة، بلد موزاييك الطوائف.
وكلّ طائفة فيه ليست كتلة روحيّة فحسب، بل نظامًا متكاملًا…مرجعيّات، زعامات، شبكات مصالح، اقتصاد ظلّ، وخطوط ولاء تتقدّم على الدولة عند الامتحان الحقيقي.

وهنا تكمن الحقيقة التي يرفض كثيرون الاعتراف بها…اللبناني، عند الأزمات الوجوديّة، لا يتصرّف كمواطن، بل كابن جماعة.
والدولة، في وعيه، كيانٌ مؤجَّل، بينما الطائفة هي الملجأ الفوري.

من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن إلغاء الطائفيّة، من دون مسار تاريخي واجتماعي طويل، حديثًا إنشائيًّا لا أكثر.
محاولة نزع الطائفيّة من رأس اللبناني بقراراتٍ فوقيّة أو بخطابٍ أخلاقي، تشبه محاولة صناعة الحلوى بلا سكر:
قد ينجح الشكل، لكن الطعم كاذب، والنتيجة فاشلة.

المشكلة الحقيقيّة ليست في وجود الطوائف، بل في الكذب السياسي المُنظَّم.
كذبُ من يوهم الناس بإمكانيّة القفز فوق التاريخ، وتجاهل الواقع الاجتماعي، وفرض دولة مدنيّة على مجتمع لم يُحسم فيه أصلًا مفهوم الدولة، ولا معنى المواطنة، ولا حدود الولاء.

الصدق السياسي يفرض مقاربة مختلفة، أقلّ شعبويّة وأكثر واقعيّة، إدارة الطائفيّة بعقل الدولة، لا التظاهر بإلغائها.
تنظيمها، ضبطها، تقليص قدرتها على التعطيل، وبناء دولة قويّة فوقها، لا دولة وهميّة تُستَخدم كشعار انتخابي موسمي.

أمّا الاستمرار في بيع وَهْم الدولة المدنيّة، فلن ينتج دولة، بل مزيدًا من الانهيار، لأنّه يهرب من المشكلة بدل مواجهتها، ويزرع خيبة جديدة فوق ركام الخيبات القديمة.

في لبنان،
لا خلاص بالأوهام،
ولا إنقاذ بالشعارات،
ولا دولة تُبنى على إنكار ما نحن عليه.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...

حين يعتقد أي فريق أنّ لبنان ملك له، تبدأ الأزمة. وحين يرفض أن يشاركه الآخرون في الوطن، تبدأ نهاية الدولة .

مخطئٌ من يظنّ أنّ لبنان ملكٌ له أو لطائفته، ومخطئٌ أكثر من يعتقد أنّ هذا الوطن يمكن أن يُفصَّل على قياس جماعة واحدة دون سواها. فلبنان، منذ نشأته، لم يكن يوماً مشروع غلبةٍ لطائفة،...