برز بقوة في المشهد السياسي والوضع الديني لمنطقة الشرق الأوسط منذ عام 2019، مصطلحين مترابطين هما: “الديانة الإبراهيمية الجديدة” كدعوة للتقارب بين الديانات السماوية الثلاث، و”اتفاقات أبراهام” كمسار سياسي للتطبيع الدبلوماسي.
هذه الاتفاقات هي سلسلة لتطبيع العلاقات بين الكيان الإسرائيلي وعدد من الدول العربية وهي دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين والمملكة المغربية وجمهورية السودان، وُقعت في النصف الأخير من عام 2020، وتعد أول تطبيع عربي إسرائيلي علني بالقرن الحادي والعشرين، أطلق عليها مهندسوها هذا الاسم للتعبير عن الارتباط بين اليهود والعرب لاشتراكهم في الجد الأكبر نبي الله إبراهيم عليه السلام.
يهدف هذا المقال إلى تقديم رؤية متوازنة هذين المصطلحين مع الخوض في جدلية التقارب الديني والتطبيع السياسي في الشرق الأوسط، وذلك من خلال استعراض أفكار ومبادرات التيار الداعي لهذه الاتفاقات، وتحليل بنودها وتداعياتها، وعرض الجدل الفكري والسياسي بين المؤيدين والمعارضين، للخروج بفهم شمولي لهذا الملف المعقد وتأثيره على هوية المنطقة واستقرارها.
أولاً : إشكالية المصطلحين بين الديني والسياسي
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال العقد الأخير تحولات كبرى تمثلت بظهور خطاب جديد يدعو إلى تجاوز الصراع التاريخي بين أتباع الديانات السماوية (الإسلام، المسيحية، واليهودية)، والتركيز على القواسم المشتركة.
تزامن هذا الخطاب مع تطورات سياسية تمثلت في سلسلة من اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل ودول عربية عُرفت بـ”اتفاقات أبراهام”. هذا التداخل بين الدعوة الدينية للتقارب والمشروع السياسي للتطبيع هو ما يثير إشكالية رئيسية: هل “الديانة الإبراهيمية الجديدة” مشروع روحي إنساني بحت يهدف إلى السلام والتعايش، أم أنه غطاء ديني وسياسي لتسريع وتيرة التطبيع وإعادة تشكيل تحالفات المنطقة على حساب القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؟
ثانياً: “الديانة الإبراهيمية الجديدة”: المفهوم والأفكار والمشاريع
1. تعريف المفهوم: يشير مصطلح “الديانة الإبراهيمية الجديدة” إلى دعوة فكرية وسياسية غير رسمية، ظهرت إعلامياً بقوة تزامناً مع اتفاقيات أبراهام. تهدف هذه الدعوة إلى التقريب بين الديانات السماوية الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية) من
خلال :
* التركيز على المشتركات الروحية والأخلاقية (الإيمان بإله واحد، المحبة، السلام، العدالة).
* تجاوز الخلافات التاريخية والعقائدية.
* اتخاذ النبي إبراهيم عليه السلام رمزاً جامعاً وأباً روحيّاً مشتركاً.
* هام: لا يوجد لهذه الدعوة كتاب مقدس، أو طقوس معلنة، أو هيكل تنظيمي، وهي أقرب إلى حركة أو منهجية حوار.
2. أبرز المشاريع والمبادرات على أرض الواقع: تجسدت هذه الدعوة في عدة مبادرات ملموسة، أبرزها. :
* بيت العائلة الإبراهيمية (أبوظبي): مجمع ضخم افتُتح عام 2023 في جزيرة السعديات، يضم مسجداً (الأزهر)، وكنيسة (القديس فرنسيس)، وكنيساً يهودياً (موسى بن ميمون)، كرمز مادي للتعايش المشترك.
* وثيقة الأخوة الإنسانية: وُقعت في أبوظبي عام 2019 بين الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب (شيخ الأزهر) والبابا فرنسيس (بابا الفاتيكان). تدعو الوثيقة إلى السلام العالمي والعيش المشترك ونبذ العنف باسم الدين، وتُعتبر المرجعية الأخلاقية الأساسية
الخطاب التقارب الإبراهيمي.
ثالثاً: اتفاقيات أبراهام (الإبراهيمية): التطبيع السياسي والدبلوماسي
1. التسمية والخلفية التاريخية
* التسمية: سُميت هذه الاتفاقيات نسبةً إلى النبي إبراهيم عليه السلام، للإيحاء بأن التطبيع ليس مجرد معاهدة سياسية، بل عودة إلى جذور دينية وثقافية مشتركة بين العرب والإسرائيليين.
* الخلفية: تعد أول تطبيع عربي-إسرائيلي علني في القرن الحادي والعشرين، وتختلف عن اتفاقيات السلام السابقة (كامب ديفيد 1979 مع مصر، ووادي عربة 1994 مع الأردن) التي كانت مقابل تنازلات إقليمية، بينما جاءت هذه الاتفاقيات بلا تنازلات
إسرائيلية جوهرية.
2. الدول الموقعة وأبرز البنود
* الدول: الإمارات العربية المتحدة، البحرين (15 سبتمبر 2020)، السودان، المغرب (لاحقاً في 2020). تحت الرعاية والوساطة الأمريكية (في عهد الرئيس دونالد ترامب).
* البنود الرئيسية:
.
3. الآثار المترتبة والتداعيات الإقليمية
* علاقات علنية: تحولت العلاقات مع إسرائيل من السرية إلى العلنية، وزُرع القناصل والسفراء، وتبادل الزيارات الرسمية رفيعة المستوى (زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت لأبوظبي والمنامة).
* تحالفات جديدة: تشكل تحالف إقليمي علني (قمة النقب في مارس 2022) ضم إسرائيل، مصر، الإمارات، البحرين، المغرب، والولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الإيراني.
* تجاهل القضية الفلسطينية: انتُقدت الاتفاقيات بشدة لأنها تخلت عن مبدأ “الأرض مقابل السلام” والمبادرة العربية للسلام التي تجعل التطبيع مشروطاً بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. كما لم توقف الاستيطان الإسرائيلي، بل استمر إعلان خطط لبناء
آلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية.
رابعاً: الجدل والمواقف: انقسام حاد بين مشروع السلام ومحو الهوية
* موقف الأزهر والهيئات الدينية: رغم توقيع فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر على “وثيقة الأخوة الإنسانية” كوثيقة للتعايش، إلا أن الأزهر الشريف وهيئات إسلامية ومسيحية أخرى تتحفظ بشكل واضح على مفهوم “الديانة الإبراهيمية” الذي قد يوحي
بدمج الأديان في دين واحد، وتؤكد على احترام خصوصية كل دين مع التعاون في القضايا الإنسانية المشتركة.
خامساً: الخلاصة والاستنتاج
يمكن الخروج من هذا التحليل بالاستنتاجات التالية:
1. تمييز ضروري: هناك فرق جوهري بين “الدعوة للتقارب والتعايش الإنساني” (مثل وثيقة الأخوة الإنسانية وبيت العائلة الإبراهيمية) وهو أمر مرغوب ومتفق عليه في كثير من أوساطه، وبين “الديانة الإبراهيمية الجديدة” كدعوة تطمس الهويات
المستقلة، وهو ما يرفضه المؤسسات الدينية الراسخة.
2. تداخل مقصود: تم استخدام الرمزية الدينية (النبي إبراهيم) عمداً لتوفير شرعية دينية وأخلاقية لاتفاقات سياسية (التطبيع)، مما أضفى على تلك الاتفاقيات بعداً شعورياً وتاريخياً لتجاوز الاعتراضات السياسية والشعبية.
3. إعادة تشكيل المنطقة: نجحت “اتفاقات أبراهام” في كسر الحواجز الدبلوماسية وتحويل مسار الصراع العربي الإسرائيلي من صراع وجودي إلى تحديات إقليمية مشتركة (كالنفوذ الإيراني)، لكنها في المقابل عمّقت الانقسام مع الفلسطينيين وشرّعت
الاحتلال والاستيطان.
4. مستقبل مفتوح: يبقى ملف “الديانة الإبراهيمية” واتفاقاتها مفتوحاً على التأويل والجدل، ومستقبله مرهون بقدرة هذه المشاريع على إثبات جدواها في تحقيق سلام عادل وشامل، وليس مجرد تطبيع للعلاقات على حساب الحقوق الفلسطينية وهوية
الشعوب العربية والإسلامية.
الخلاصة النهائية :
يمكن النظر إلى “الديانة الإبراهيمية الجديدة” كفكرة وسقف نظري للمشاريع الإنسانية، بينما تمثل “اتفاقات أبراهام” التطبيق السياسي الأكثر إثارة للجدل لهذه الأفكار في واقع الشرق الأوسط المعقد. ويبقى التحدي الأكبر هو الفصل بين المطالب الإنسانية المشروعة للتعايش، والتوظيف السياسي للدين لتمرير أجندات لا تحظى بإجماع وطني أو ديني في المنطقة العربية.


