الخميس، 2 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الطلاق ليس مرادفًا للفساد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم ويبشرُ المؤمنين الذين يعملون الصَّالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} سورة الإسراء.
وقال تعالى أيضًا:{ومآ ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} سورة الحشر. وعن ابن عبَّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه” رواه البيهقي.
إن أي دعوى على خلاف القرآن الكريم والحديث الشريف مرفوضةٌ ألبتة فما شرعه الله تعالى لا يُبطله ظلم ظالمٍ ولا جَورُ جائرٍ ولا تُلغيه الأعراف التي سادت عند كثيرٍ من الناس في المجتمعات في شتَّى أنحاء الأرض، ونحن نشهد اليوم عاداتٍ وتقاليد منتشرةً عند كثيرٍ من الشعوب لا أصل لها بل إنها تُناقض القيمَ والمبادئ والأخلاق الراقية وهي كذلك على خلاف ما شرعه ربُّنا أي على خلاف ما تقتضيه مصلحة البلاد والعباد، فمن ذلك النظر بعين التُّهمة والريبة للمطلَّقة والتهوّر في إطلاق الشائعات والاتهامات نحوها ومنعها من العمل والسعيِ وهضم حقوقها حتى ربما وصل الأمر ببعضهم إلى مساواتها بالبهائم جهلًا أو كِبرًا وليس كل ذلك من الإسلام في شىءٍ ألبتة، وقد رأيت في هذا المقال المقتضب أن أتناول قضية المطلَّقة والمجتمعِ موضحًا بعض ما يتعلَّق بالمطلَّقة والمرأة على العموم وأسوق سبكًا كالسبائك الناصعة في هذا المقام عسى أن تُشرق قراءة هذه السطور نورًا في أفئدةٍ آن لها أن تخرج من الظلمات المدلهمّة التي يركب بعضها فوق بعضٍ فإن الحق أحق أن يُتَّبع، ونحن نرى أن العادات والتقاليد الفاسدة هي كالأغلال تربط صاحبها وتعيقه عن سلوك سبيل التطور والتقدُّم والازدهار.
فمن ذلك ما يُحاصر المرأة المطلقة في مجتمعاتنا من الإشاعات والأقاويل والنظرات المتباينة فتارةً نظرة شفقةٍ وتارةً نظرة شماتةٍ وتارةً نظرة اتهامٍ، أما نظرة الإنصاف فتكاد تكون نادرةً في هذه البيئة التي غالبًا ما تنظر إلى الأمور نظرةً مُغايرة.
والسؤال الملحُّ: لماذا ينظر كثيرٌ من الناس إلى المرأة المطلَّقة نظرةَ غضبٍ وكراهيةٍ؟
لماذا لا يلتمس كثيرٌ من الناس لها عذرًا بدل الأخذ بالظنون والتخمينات التي كثيرًا ما تكون بعيدةً عن الواقع بُعد المشرق من المغرب؟
لماذا ينظر البعض إلى المطلَّقة على أنها إنسانٌ فاشلٌ؟ بل ربما وصل الأمر ببعضهم إلى اعتقاد أن المطلَّقة إنسانٌ ملعونٌ مشؤومٌ فيفرُّون منها فرارهم من الأسد أو يرى بعضهم فيها وسيلةً لإشباع رغباته كحذاءٍ ينتعله متى شاء ويخلعه متى أراد.
لماذا يوجِّه كثيرٌ من الناس سهام الملامة والتوبيخ إلى المطلقة لأنها أنثى ويظنون فيها الظنون ويتغافلون عن أن زوجها ربما كان هو السبب في خراب البيت؟ وربما كان الطلاق بدايةً لانطلاقة حياةٍ جديدةٍ وخلاصًا من براثن زوجٍ متوحشٍ.
فكم من أناسٍ طلَّقوا نساءهم للتخلُّص من المسؤوليات؟ وكم من رجالٍ طلَّقوا نساءهم وأهملوا أسرهم وتركوا زوجاتهم تُكابد هموم المعيشة؟
ومن خلال ما مرَّ نقول: ليست المرأة سلعةً رخيصةً يَتْجَرُ بها التجَّار ولا كرةً تتقاذفها الأيدي والأرجل سواءً كانت مطلَّقةً أم لا فإن المطلَّقة لا يُخرجها الطلاق عن صفة الآدمية، وليس النكاح عقد تمليكٍ بل هو عقدٌ يتضمَّن إباحة وطءٍ وهذا ما ينبغي أن يفهمه كثيرٌ من الرجال وكم يكون عدم فهم بعضهم لذلك وجهله بحقوق الزوجة مؤديًا إلى الطلاق فلأي شىءٍ تُلام المرأة إزاء ذلك؟ وليس الطلاق عنوانًا للفشل بل وليس سببًا لتجريد المرأة من حقوقها. وبالتالي: فلا مانع من أن تكون المرأة عمومًا والمطلَّقة ضمنًا عنصرًا مهمًّا في المجتمع، وبالنظر في مهارات بعض النساء وقدرتهن على بذل النفع ونشر الخير والقيام بأعمالٍ بل وإنجازاتٍ فليس من الحكمة أن نجعل من الطلاق سدًّا يحول بين المرأة والنجاح.
فما كان عيبًا وعارًا فعله على المرأة كان عيبًا وعارًا فعله من المطلَّقة وغير المطلَّقة، وما كان حسنًا في النساء كان حسنًا في المطلَّقة وغير المطلَّقة، وحيث لا أساس يستند إليه الغوغاء في نظرتهم الشاذّة للمرأة المطلَّقة فلا تُبالي أيتها الأخت العزيزة بهم، وحسبُك أن الإسلام قد أنصفك وأعطى لكل ذي حقٍ حقَّه ولم تكن العبرة يومًا بالشذوذ على مر التاريخ وتأملي ما أحسن ما قال نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم فقد روى أحمد في المسند عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”اللهم إني أُحرِّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة” وقوله “أُحَرِّج” أي أُضيق وأشدد في ذلك أي أُحرِّم ظلمهما. وهذا شاملٌ للمطلَّقة وغيرها فمن يتجرأ على ظلم المطلَّقة بالفعل أو بالقول بعد ذلك ويدَّعي أنه لا يجوز ولا يسوغ لها سوى أن تكون رهينة البيت حبيسة الجدران فقط يكون بذلك محرِّمًا لما أحلَّ الله منتهكًا لحقوق الشريعة الغراء، ولو تأسى هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم لكان خيرًا لهم فقد أوصى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء في أحاديث يطول الكلام في سردها وشرحها ولم يستثن المطلَّقة بل ولم يُعيِّر مطلَّقةً وقد تزوَّج صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين زينب بنت جحشٍ وكانت مطلَّقةً وحظيت عنده صلى الله عليه وسلم بمكانةٍ عظيمةٍ ففي صحيح مسلمٍ عن أم المؤمنين عائشة قالت في وصف زينب “وهي التي كانت تُساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر امرأةً قطُّ خيرًا في الدين من زينب” في كلامٍ طويلٍ تثني فيه عليها وتُقر بأن منزلة زينب عند النبي صلى الله عليه وسلم تشبه منزلتها ومعلومٌ منزلة عائشة في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإننا ندرك أن هناك عقباتٍ كثيرة تحول دون أن تمارس المرأة دورها في العمل الثقافي والاجتماعي والديني في الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية ولكنها عقباتٌ قابلةٌ للإزالة من خلال تضافر الجهود على المستويات الرسمية والأهلية ومن خلال المرأة نفسها التي تستطيع أن تكون عضوًا فاعلاً ومؤثرًا في المجتمع مراعيةً بعض الأمور ومستفيدةً مما خلق الله تعالى فيها من قُدراتٍ والعاقل إزاء ذلك من وقف عند حدِّ الشرع وأعطى كل ذي حقٍ حقَّه.
والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هكذا يحب لنا الحسين لو كان حيًّا

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلى‏...

فضل الإحسان للزوجة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وعاشروهن بالمعروف} سورة النساء. وعن أم المؤمنين عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم...

الهجرة النبوية... حين يصنع الإيمان التاريخ العظيم

ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية،...

من معاني الهجرة الشريفة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى: قال الله تعالى في القرآن الكريم :{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن...

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...