الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
19°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين تتحول القوة إلى عبء: أمريكا ترامب

بين وهم المكاسب وحقيقة السقوط

قد تحقق السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب مكاسب سريعة تشبه الغنائم، لكنها مكاسب من ذلك النوع الذي يلمع لحظةً ويصدأ سريعًا. فالهجوم على فنزويلا، واعتقال رئيس دولة وزوجته ونقلهما خارج بلادهما، قد يُسوَّق داخليًا بوصفه إنجازًا أمنيًا أو استعراضًا للقوة، لكنه في الحقيقة إعلان إفلاس أخلاقي وسياسي، ودعوة مفتوحة لهدم ما تبقى من النظام الدولي.

ما حدث ليس مجرد “عملية” عسكرية، بل سابقة خطيرة: دولة كبرى تتصرف بمنطق الخطف، لا بمنطق القانون؛ وبأسلوب البلطجة، لا بأسلوب الدولة التي تتصدر مشهد الشرعية الدولية.

المفارقة الفجة أن هذا السلوك يصدر عن دولة تستضيف مقر الأمم المتحدة، وتقدّم نفسها حارسةً للنظام الدولي والقيم الديمقراطية. أي سخرية أكبر من أن تُدار الشرعية من نيويورك، بينما تُداس من واشنطن؟

قد يقول المدافعون إن السياسة لا تُدار بالأخلاق. صحيح. لكنها أيضًا لا تُدار بقصر النظر. فكل رئيس، وكل زعيم، وكل حاكم في العالم سيسأل نفسه بعد هذه الواقعة
سؤالًا واحدًا : هل أنا التالي؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو القاعدة، لا الاستثناء، فإن الثقة تنهار، والتحالفات تتآكل، والدبلوماسية تتحول إلى مسرح رعب.

بهذا المنطق، لا تعود فنزويلا قضية بحد ذاتها، بل نموذجًا تحذيريًا. اليوم فنزويلا، وغدًا أي دولة لا ترضي المزاج الأمريكي.
هذه ليست عودة إلى حقبة الاستعمار التقليدي فقط، بل انحدار أشد خطورة: العودة إلى ما قبل الدولة، وما قبل القانون، وما قبل التنظيم الدولي—عالم تحكمه القبضة لا القواعد، والقوة لا الشرعية.

والأخطر أن هذا السلوك لا يدمّر صورة أمريكا وحدها، بل يهدم فكرة القانون الدولي نفسها. فما قيمة السيادة؟ وما معنى الانتخابات؟ وما جدوى المنظمات الدولية إذا كانت دولة واحدة قادرة على تجاوزها جميعًا ببيان عسكري أو تغريدة رئاسية؟

قد تربح واشنطن جولة في لعبة القوة، لكنها تخسر اللعبة الكبرى: لعبة السمعة، والشرعية، والقيادة الأخلاقية. وفي عالم مترابط، لا تُقاس الخسائر فقط بالدبابات والطائرات، بل بانهيار الثقة، وتآكل الردع المعنوي، واستعداد الآخرين للرد بالمثل.

السياسة الخارجية التي تُدار بعقلية “من يستطيع يفعل” لا تصنع عالمًا أكثر أمنًا، بل عالمًا أكثر توترًا، حيث يصبح الجميع في حالة دفاع دائم، وحيث لا أحد—مهما كان حليفًا أو صديقًا—بمنأى عن البلطجة.

وهكذا، وبينما تظن أمريكا أنها ترسل رسالة قوة، فإن العالم يقرأ رسالة أخرى تمامًا:

حين تسقط القيم، تصبح القوة عارية… ومخيفة، حتى لأصحابها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...