السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين تدعم بكين طهران… دون أن تُحارب معها

ليس كلُّ دعمٍ تحالفاً، وليس كلُّ تحالفٍ حرباً. في قلب المشهد المتفجّر في الشرق الأوسط، تتقدّم الصين بخطى ثابتة، لا بصخب الصواريخ، بل بهدوء المصالح. كثيرون يظنّون أنّ بكين تقف خلف إيران كحليفٍ عسكريٍّ مستعدٍّ للمواجهة، لكن الحقيقة أكثر برودةً… وأكثر دقّة.

الصين لا تُقاتل مع إيران، لكنها لا تتركها تسقط. هذا هو جوهر المعادلة.

تدرك بكين أنّ طهران ليست مجرّد دولة في نزاع، بل عقدة جيوسياسية في قلب شبكة الطاقة العالمية. النفط الإيراني، رغم العقوبات، يجد طريقه شرقاً، حيث تتحوّل براميله إلى شريانٍ يُغذّي الاقتصاد الصيني. هنا، يصبح الدعم الاقتصادي أداة نفوذ، لا عملاً تضامنياً. الصين لا “تنقذ” إيران، بل تستثمر في صمودها.

وفي السياسة، تلعب الصين دور الموازن لا المقاتل. في مواجهة الضغوط الغربية، تطرح خطاباً مختلفاً: رفض العقوبات، والدعوة إلى التهدئة، وفتح قنوات الوساطة. هي لا تصطفّ علناً ضد الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لها بأن تنفرد بتحديد قواعد اللعبة.

أما عسكرياً، فالصمت الصيني ليس ضعفاً… بل قرار. الدخول في حربٍ مباشرة إلى جانب إيران يعني مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وربما مع حلف شمال الأطلسي. وهذا ليس في مصلحة بكين التي تبني قوتها على التجارة، لا على الجبهات.

الصين تفهم ما لا يقوله كثيرون: الحروب الكبرى تُسقط الإمبراطوريات، بينما النفوذ الاقتصادي يُقيمها. لذلك، تختار أن تكون حاضرة في كلّ معادلة… دون أن تتحمّل كلفة الانفجار.

لكن الأخطر في هذا المشهد ليس ما تفعله الصين، بل ما تريده. بكين لا تسعى إلى انتصار إيران، ولا إلى هزيمة إسرائيل، بل إلى شيءٍ أعمق: استنزافٌ مُدار يُضعف خصمها الأكبر، أي الولايات المتحدة، دون أن يُشعل حرباً عالمية تخرج عن السيطرة. إنها لعبة الوقت، حيث كلّ يوم توترٍ محسوب يُعيد رسم ميزان القوى العالمي.

في المقابل، تبقى إسرائيل جزءاً من معادلة مختلفة، ترتبط عضوياً بالقرار الأميركي، فيما تتحوّل المنطقة بأكملها إلى ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى. وهنا، لا تعود الدول الصغيرة مجرّد متأثرة، بل تصبح مسرحاً.

الخلاصة ليست في إعلان حربٍ أو تجنّبها، بل في فهم ما يجري بين السطور:
الصين تدعم… نعم.
لكنها تدعم كي لا تُقاتل.
وتُوازن… كي لا تُجبر على الاختيار.

أما نحن في هذه المنطقة، فنقف على حافة معادلة لا نملك رسمها، لكننا سندفع ثمنها إن انفلتت.

والتحذير هنا لا بدّ منه…ليس أخطر ما في المرحلة احتمال الحرب الشاملة، بل استمرار هذا “التوازن المتوتّر” الذي يُراكم عوامل الانفجار بصمت… حتى لحظةٍ قد لا تُنذر بشيء، لكنها تغيّر كلّ شيء.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...