الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
19°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين يموت العلماء في الغربة… محمد أيوب شاهد جديد على خذلان الوطن

عُثر قبل أيام على جثّة المهندس اللبناني محمد علي مخيبر أيوب، ابن بلدة رياق البقاعية، داخل منزله في فرنسا، حيث كان يقيم ويعمل منذ نحو خمسة عشر عامًا، في حادثةٍ ما تزال ظروفها غامضة حتى لحظة إعداد هذا التقرير، فيما تواصل السلطات الفرنسية تحقيقاتها لكشف أسباب الوفاة.
الراحل، وهو مهندس متخصّص في العلوم الذرّية، غادر لبنان منذ سنوات طويلة بحثًا عن الاستقرار العلمي والمهني، بعدما ضاقت به سبل العمل في وطنٍ أنهكته الأزمات المتراكمة التي طاولت مختلف مفاصل الحياة. ومثله مثل آلاف الكفاءات اللبنانية التي هاجرت قسرًا، حمل علمه وخبرته إلى الخارج، وأسهم في خدمة مجتمعات أخرى، فيما بقي وطنه الأم عاجزًا عن احتضان طاقاته والاستفادة من علمه.
وحتى الساعة، لم تُصدر الجهات الرسمية الفرنسية بيانًا حاسمًا يوضح ملابسات الوفاة، مكتفية بالإشارة إلى أنّ التحقيقات لا تزال جارية بانتظار نتائج الفحوصات التقنية والطبية اللازمة. هذا الغموض زاد من قلق عائلة الراحل وأصدقائه، وفتح باب التساؤلات، لا سيّما في ظل حساسية اختصاصه العلمي، من دون القفز إلى استنتاجات أو اتهامات لا تستند إلى وقائع مثبتة.
الخبر نزل كالصاعقة على محيطه العائلي والاجتماعي، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا لبنانيًا موجعًا بات يتكرّر مع كل حادثة مشابهة:
إلى متى سيبقى مصير المواطن اللبناني محصورًا بين الموت في الغربة، أو القتل فيها، أو الموت جوعًا في وطنه؟
فلبنان، الذي صدّر أبناءه إلى أصقاع الأرض، لم يكتفِ بخسارة شبابه وكفاءاته، بل بات عاجزًا حتى عن تأمين الحدّ الأدنى من الأمان المعنوي لهم، في الداخل والخارج على حدّ سواء. وبين دولةٍ غائبة، ومؤسساتٍ عاجزة، وطبقةٍ سياسية منشغلة بصراعاتها ومصالحها، يبقى اللبناني الفرد الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الانهيار من عمره وكرامته، وأحيانًا من حياته.
قضية وفاة المهندس محمد أيوب ليست مجرّد حادثة فردية، بل مرآة لواقع أوسع تختلط فيه المأساة الإنسانية بالتقصير السياسي، وتُطرح من خلالها أسئلة جوهرية حول قيمة الإنسان اللبناني، ومسؤولية الدولة في متابعة شؤون مواطنيها في الاغتراب، والدفاع عن حقوقهم، ومواكبة قضاياهم عند وقوع الأزمات.
وبرحيل العالم المهندس محمد أيوب، يُضاف اسم جديد إلى قائمة العلماء اللبنانيين الذين لمعوا في الخارج ولم يحصد وطنهم ثمرة علمهم، أمثال حسن كامل الصباح، ورمال رمال، وغسان قانصوه. أسماءٌ سطعت في سماء المعرفة، لكنها بُخست حقّها في حياتها، وطُويت إنجازاتها بعد الرحيل في غياهب الإهمال والتقاعس، مع أنّ العلم لا يموت، وإن غاب أصحابه.
لكن الأخطر من الرحيل نفسه، هو الاعتياد عليه. فهجرة الأدمغة لم تعد نزيفًا صامتًا فحسب، بل تحوّلت إلى خطر وجودي يهدّد ما تبقّى من مستقبل هذا البلد. طاقات لبنان الشبابية، العلمية والفكرية، تُدفَع دفعًا إلى الهجرة تحت وطأة الفقر، وانعدام الفرص، وغياب الرعاية، ثم تُترك لمصير مجهول في المنافي، من دون أي شبكة حماية رسمية أو متابعة جدّية.
دولةٌ لا تحمي علمائها، ولا تحتضن كفاءاتها، ولا تواكب أبناءها في الاغتراب، ولا تبادر إلى الدفاع عنهم عند الأزمات، هي دولة تفرّط برأسمالها الأثمن: الإنسان. والمطلوب اليوم ليس بيانات تعزية، ولا خطابات موسمية، بل سياسات واضحة وعاجلة: خطط فعلية لوقف نزيف العقول، برامج لاحتضان الطاقات الشابة، ضمانات مهنية وعلمية تحفظ كرامتهم، وأطر رسمية تتابع شؤونهم في الخارج وتحمي حقوقهم.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بحماية عقولها قبل أن تُهاجر، وبصون علمائها قبل أن يُقضى عليهم في الغربة أو يُدفنوا في صمت. وإن استمرار هذا الإهمال ليس سوى مشاركة غير مباشرة في جريمة تفريغ لبنان من عقوله، وإطفاء ما تبقّى من نوره. فإمّا دولة تحمي أبناءها وتستثمر في علمهم، وإمّا وطنٌ يتآكل من داخله حتى الفراغ.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية، يبقى الأمل بأن تُجلَى الحقيقة كاملة، وألّا تُطوى هذه القضية كما طُويت غيرها، فيما يبقى الوجع واحدًا، والغربة قاسية، والسؤال اللبناني الكبير مفتوحًا… بلا جواب.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...