الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين يموت العلماء في الغربة… محمد أيوب شاهد جديد على خذلان الوطن

عُثر قبل أيام على جثّة المهندس اللبناني محمد علي مخيبر أيوب، ابن بلدة رياق البقاعية، داخل منزله في فرنسا، حيث كان يقيم ويعمل منذ نحو خمسة عشر عامًا، في حادثةٍ ما تزال ظروفها غامضة حتى لحظة إعداد هذا التقرير، فيما تواصل السلطات الفرنسية تحقيقاتها لكشف أسباب الوفاة.
الراحل، وهو مهندس متخصّص في العلوم الذرّية، غادر لبنان منذ سنوات طويلة بحثًا عن الاستقرار العلمي والمهني، بعدما ضاقت به سبل العمل في وطنٍ أنهكته الأزمات المتراكمة التي طاولت مختلف مفاصل الحياة. ومثله مثل آلاف الكفاءات اللبنانية التي هاجرت قسرًا، حمل علمه وخبرته إلى الخارج، وأسهم في خدمة مجتمعات أخرى، فيما بقي وطنه الأم عاجزًا عن احتضان طاقاته والاستفادة من علمه.
وحتى الساعة، لم تُصدر الجهات الرسمية الفرنسية بيانًا حاسمًا يوضح ملابسات الوفاة، مكتفية بالإشارة إلى أنّ التحقيقات لا تزال جارية بانتظار نتائج الفحوصات التقنية والطبية اللازمة. هذا الغموض زاد من قلق عائلة الراحل وأصدقائه، وفتح باب التساؤلات، لا سيّما في ظل حساسية اختصاصه العلمي، من دون القفز إلى استنتاجات أو اتهامات لا تستند إلى وقائع مثبتة.
الخبر نزل كالصاعقة على محيطه العائلي والاجتماعي، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا لبنانيًا موجعًا بات يتكرّر مع كل حادثة مشابهة:
إلى متى سيبقى مصير المواطن اللبناني محصورًا بين الموت في الغربة، أو القتل فيها، أو الموت جوعًا في وطنه؟
فلبنان، الذي صدّر أبناءه إلى أصقاع الأرض، لم يكتفِ بخسارة شبابه وكفاءاته، بل بات عاجزًا حتى عن تأمين الحدّ الأدنى من الأمان المعنوي لهم، في الداخل والخارج على حدّ سواء. وبين دولةٍ غائبة، ومؤسساتٍ عاجزة، وطبقةٍ سياسية منشغلة بصراعاتها ومصالحها، يبقى اللبناني الفرد الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الانهيار من عمره وكرامته، وأحيانًا من حياته.
قضية وفاة المهندس محمد أيوب ليست مجرّد حادثة فردية، بل مرآة لواقع أوسع تختلط فيه المأساة الإنسانية بالتقصير السياسي، وتُطرح من خلالها أسئلة جوهرية حول قيمة الإنسان اللبناني، ومسؤولية الدولة في متابعة شؤون مواطنيها في الاغتراب، والدفاع عن حقوقهم، ومواكبة قضاياهم عند وقوع الأزمات.
وبرحيل العالم المهندس محمد أيوب، يُضاف اسم جديد إلى قائمة العلماء اللبنانيين الذين لمعوا في الخارج ولم يحصد وطنهم ثمرة علمهم، أمثال حسن كامل الصباح، ورمال رمال، وغسان قانصوه. أسماءٌ سطعت في سماء المعرفة، لكنها بُخست حقّها في حياتها، وطُويت إنجازاتها بعد الرحيل في غياهب الإهمال والتقاعس، مع أنّ العلم لا يموت، وإن غاب أصحابه.
لكن الأخطر من الرحيل نفسه، هو الاعتياد عليه. فهجرة الأدمغة لم تعد نزيفًا صامتًا فحسب، بل تحوّلت إلى خطر وجودي يهدّد ما تبقّى من مستقبل هذا البلد. طاقات لبنان الشبابية، العلمية والفكرية، تُدفَع دفعًا إلى الهجرة تحت وطأة الفقر، وانعدام الفرص، وغياب الرعاية، ثم تُترك لمصير مجهول في المنافي، من دون أي شبكة حماية رسمية أو متابعة جدّية.
دولةٌ لا تحمي علمائها، ولا تحتضن كفاءاتها، ولا تواكب أبناءها في الاغتراب، ولا تبادر إلى الدفاع عنهم عند الأزمات، هي دولة تفرّط برأسمالها الأثمن: الإنسان. والمطلوب اليوم ليس بيانات تعزية، ولا خطابات موسمية، بل سياسات واضحة وعاجلة: خطط فعلية لوقف نزيف العقول، برامج لاحتضان الطاقات الشابة، ضمانات مهنية وعلمية تحفظ كرامتهم، وأطر رسمية تتابع شؤونهم في الخارج وتحمي حقوقهم.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بحماية عقولها قبل أن تُهاجر، وبصون علمائها قبل أن يُقضى عليهم في الغربة أو يُدفنوا في صمت. وإن استمرار هذا الإهمال ليس سوى مشاركة غير مباشرة في جريمة تفريغ لبنان من عقوله، وإطفاء ما تبقّى من نوره. فإمّا دولة تحمي أبناءها وتستثمر في علمهم، وإمّا وطنٌ يتآكل من داخله حتى الفراغ.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية، يبقى الأمل بأن تُجلَى الحقيقة كاملة، وألّا تُطوى هذه القضية كما طُويت غيرها، فيما يبقى الوجع واحدًا، والغربة قاسية، والسؤال اللبناني الكبير مفتوحًا… بلا جواب.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...