الجمعة، 24 أبريل 2026
بيروت
24°C
غيوم قاتمة
AdvertisementAdvertisement

عبد المنعم رياض ... لست أنت المقصود

في حمص مدينة خالد بن الوليد، مدينة الثورة والعروبة والدين، ومدينة الطيبة والنخوة والخلق القويم، يخرج علينا محافظها “عبد الرحمن الأعمى” قبل أيام بقرار تغيير اسم شارع رئيسي فيها يحمل اسم “الشهيد عبد المنعم رياض”، ليجعله شارع 18 نيسان، بدعوى تخليد ذكرى الاعتصام الأول لأهل المدينة ضد النظام البائد في العام 2011.
ويظن “الأعمى” أنه بذلك يخلد ذكرى ذلك الاعتصام، ورغم أن في حمص شوارع كثيرة وبأسماء عديدة بعضها مشهور وذو معنى، وبعضها غير ذلك، لكنه لم يجد غير شارع الشهيد “رياض” ليجري عليه التغيير، زاعما أنه بذلك يكرم حمص وأهل حمص.
ومن قبل هذا، في فبراير/ شباط الماضي أقدمت مديرية أوقاف حلب على تغيير اسم مسجد رئيسي في حي الكلاسة المشهور لتجعله جامع خالد بن الوليد، بعد أن كان اسمه منذ أن بني جامع “جمال عبد الناصر”، وزعمت المديرية حينها أنها أقدمت على ذلك تجاوبا مع طلب لأهالي الحي.
يومها كتبت مقالا بعنوان ” أوقفوا هذا العبث” لأني اعتبرت مثل هذا التصرف من مدير أوقاف حلب لا ينم عن حد أدنى من الادراك لروح هذا الشعب، ولتاريخ هذه الأمة، وهذا الحي على وجه الخصوص، وقلت حينها إن تسمية هذا الجامع الذي أنشئ في العام 1967 باسم جامع جمال عبد الناصر حمل تكريما مزدوجا لعبد الناصر، ولحي الكلاسة الذي عرف بأنه حي وحدوي، حي العمال والفقراء، حي الذين دفعوا الدم والجهد في مقاومة جريمة الانفصال التي أدت إلى إجهاض دولة الوحدة ” الجمهورية العربية المتحدة”. كذلك لعله كان قرارا فيه مراءً لأهالي حي الكلاسة، بأحب القادة إليهم. وقلت إنني لا أميل إلى اعتبار هذا القرار قرارا ذاتيا، وإنما هو قرار تقف وراءه إرادة غير سوية، صُنعت من مزيج من “الجهل والحقد والانحراف”، وهو مزيج يريد أن يحول تاريخنا إلى جزر يصدم بعضها بعضا، بدل أن يكون تاريخنا تيارا متدفقا يجمع شتات الأمة، ويشد بعضها إلى بعض.
ومع القرار الخاص بشارع “رياض” تزداد القناعة بما ذهبتُ به في المقال الخاص بجامع جمال عبد الناصر، بل الأمر هنا أشد فداحة، وأقسى معنى ودلالة، فالشهيد “عبد المنعم رياض” هو عنوان يختزن في سويدائه الصراع العربي الإسرائيلي، ويتجلى فيه عمق التزام العسكرية العربية بالقضية الفلسطينية، وبالصراع العربي الصهيوني. وعمق الالتزام العربي الشعبي بهذه المعركة.
وإزاء هذه الخطوة تطفو على سطح الفكر والوجدان أفكار عملت جاهدا على ضبطها، والإمساك عن ذكرها، أملا في أن تثبت الوقائع اللاحقة أنها كانت مجرد أفكار عابرة، ومنبع هذه الخشية أن يكون مثل هذه التصرفات جزءا من توجه عاما عند أطراف في السلطة يتجاوب مع رغبة وجهد “أمريكي ـ إسرائيلي” يريد أن يمزق عناصر القوى والتماسك في تاريخنا ووقائعنا وأياما، صنعناها بمعاركنا وجهدنا وشهدائنا، وعشنا عليها، ونمت على وقائعها أجيالنا جيلا بعد جيل.
يحضرني في هذا السياق ما سمعته سابقا وسمعه كل المتابعون والمهتمون من كبار المسؤولين الأمريكيين في عهد الرئيس جورج بوش الأب، بأن مطلبهم إزاء المنطقة العربية ليس بسط الهيمنة، وضبط المصالح وحمايتها فحسب، ويجلس على قمة هذه المصالح ما يتصل بالكيان الصهيوني وتطلعاته، وإنما تغيير قيم ومفاهيم الأمة التي تربت عليها، فلا تبقى “أيامنا” التي نؤرخ بها أياما، ولا يبقى رجالنا الذين نعتز بهم “رجالا”، ولا تبقى “قيمنا” التي نتمسك بها “قيما”، ولا يبقى ديننا الذي نعتز به ونشد ظهورنا به، ونجعله الترياق الذي يشفي جراحنا “هو دينا”. ويصبح المطلوب أن نغير كل ذلك، وإذا دققنا النظر فيما يحدث حولنا سنرى الكثير من سياسيين، وإعلامين، وصناع رأي ومحتوى، ومحللين، وكتابا، نراهم كلهم يسعى في الاتجاه نفسه، وللغرض ذاته.
منهم من يسخف معاركنا، وقيمنا، ومُثُلنا، ومنهم من يجًرح برجالاتنا وأعلامنا، ومنهم من يجهد لزعزعة قيمنا الدينية والأخلاقية. والكل يريد أن يعيدنا قبائل وجماعات وطوائف، تزداد كل يوم انقساما وتفتتا، وليس أمة تجاهد كل يوم لتتقدم على طرق الوحدة والكرامة والاستقلالية.
فيٌسقَط تدريجيا مفهوم الجهاد من فكرنا الديني والوطني والقومي ليصبح إرهابا، ويصبح التحول إلى “المعسكر الأمريكي الإسرائيلي” هو النهج القويم، ويصبح كل توجه لبناء دولنا على قاعدة استقلال الإرادة واستقلال القرار السياسي والاقتصادي وبناء مجتمع الكفاية والعدل والاستقرار، كما كان الأمر في خمسينات وستينات القرن المنصرم محض لغو، وتصبح معاركنا المعاصرة من لحظة مقاومة الاستعمار والعمل للتحرر، من الثورة السورية الكبرى إلى تأميم قناة السويس وبناء السد العالي، إلى معركة تحرير الجزائر إلى الثورات الفلسطينية المتعددة، إلى الابتعاد عن الأحلاف ومقاومتها، وبناء حركة عدم الانحياز، وصولا إلى محاربة الاحتلال الأمريكي للعراق كلها جهد في غير محله، وعمل في طريق غير مجد، وإضاعة للوقت، ووفق هذا المنطق فكل ما أنجز في هذا الطريق كان يمكن تحقيقه بالتفاوض والعمل الهادئ، وبالتعاون مع الدول الكبرى المسيطرة.
في سوريا الكثير من المعالم سميت بأسماء لها رمزيتها الوطنية، وقيمتها التاريخية، مدارس، منتديات، شوارع، معالم، وشواهد، ووفق هذا العقل الذي بات يتحكم في قطاع من الإدارة السورية فإن علينا أن نتوقع عملا دؤوبا لتغيير تدريجي يطال كل هذا.
والحق فقد كان علينا أن نتوقع هذا من قبلُ، إذ كنا تلقينا رسالة بالغة الدلالة والخطورة، وكان ما ظهرت عليه ” العملة السورية” الجديدة وجها من أوجه هذه الرسالة، فبدل أن تختزن العملة الوطنية بشكلها ومحتواها العمق الحضاري والقيمي للبلاد، ظهرت خالية من أي قيمة حضارية، أو رؤية حضارية، حيث طمست فيها سوريا الحقيقية، وإنك لتعجز عن معرفة هوية هذه العملة لولا أن كتب عليها باللغة العربية أنها عملة سورية، فسوريا التي تضم أقدم الحضارات، وتحتضن تنوعا يستأهل الإبراز والاعتزاز جفت وتصحرت، بحيث لا ترى لها أثرا في “أوراقها النقدية الجديدة”.
إن دارسي التاريخ يدركون أن “العملة / النقد” برسومه وما يسجل عليه، وثيقةٌ تاريخية معتمدة في قراءة وتفهم تاريخ الشعوب، لكن العملة السورية الجديدة فقدت هذا الملمح، وهذا الدور. وقد كان متهالكا جوابُ أحد المسؤولين عن سبب غياب سوريا الحضارية عن العملة السورية حين قال: إن في سوريا أربع عشرة محافظة، وليس لدينا أربع عشرة ورقة نقدية جديدة حتى تحمل كل واحدة منها معلما من معالم هذه المحافظة أو تلك، ولقد كان هذا تجفيفا للروح الحضارية لسوريا، وهو من النوع نفسه الذي عُمل مع اسم “جمال عبد الناصر”، واسم “عبد المنعم رياض”، وليس غريبا أن نشاهد لاحقا الكثير من هذه الخطوات، وكلها تحمل الهدف نفسه، وتتطلع إلى الغاية نفسها. ومن حقنا القول إنها كلها تحمل رسالة الارضاء ذاتها ليس للداخل السوري ولا للمحيط العربي، وإنما للقوى الخارجية المعادية لأمتنا، ولوجودنا، ولحقوقنا، ولاستقرارنا الفكري، والمنهجي.
مما يؤلم ويحزن ويدهش أيضا أن يعتقد هؤلاء العابثون أنهم فيما يقومون به يقدمون خدمة لسوريا الجديدة، وللنظام السياسي الذي يقوده السيد الرئيس أحمد الشرع، وأنهم يساهمون في تحرير سوريا من مخلفات مرحلة سابقة، ويهيئونها لمرحلة جديدة قادمة، وأنهم إذ يقومون بما يقومون ثم لا يواجهوا ما يجب أن يواجهوه من مقاومة إنما يسجلون نصرا، ويقدمون برهانا، ويعززون موقعا، وهم في هذا الاعتقاد واهمون.
إن خطورة ما يقوم به هؤلاء أنهم يجردون ويعرون “النظام السوري الجديد” ـ الذي يسعى ويعمل جميع المخلصين على تمكينه من تحقيق الأهداف التي أعلنها ـ من بيئة وطنية وقومية وتحررية تحميه وتحصنه، وهي البيئة التي كانت المولد الرئيسي للثورة على النظام الأسدي والبعثي البائد، وكانت هي الوعاء الذي قدم أكثر من مليون شهيد للخلاص من ذلك النظام، ومئات آلاف المفقودين والمغيبين قسرا. وهؤلاء بما يقومون به إنما يُعينون ” الفلول”، أنصار النظام السابق في جهودهم لاستجماع قوتهم، وعملهم الدؤوب لتخريب وإعاقة بناء سورية الجديدة، ولو دققنا النظر لتيقنا أنهم أكثر خطرا، وأبعد أثرا، من أولئك الذين كنسهم الثوار في معركة التحرير، أي من أولئك “الفلول”.
ثم إن هؤلاء يحاولون بأعمالهم وأفكارهم وتصرفاتهم أن يقيموا في مجتمعنا بنية طائفية مذهبية بغيضة ـ كانت من صفات النظام البائد ـ لكن بثوب جديد، وفي هذا تفاصيل كثيرة تغطي المفاهيم الدينية والاجتماعية والاقتصادية التي يحاولون نشرها، ليس هنا موضع بسطها وتسليط الضوء عليها.
إن أخطر ما تواجهه الثورات ما جاء من داخلها، وهذا ما تواجهه سوريا الآن، وحين نمعن النظر فيما يجري فيها نستشعر الخطر الحقيقي، ونستشعر تنوع مظاهر هذا الخطر، وبالتالي تنوع قواه وعناصر تكوينه.
نحن على يقين بأن الشعب السوري سيتصدى لكل هذه المعوقات وسيهزم من يقف وراءها، لكن ما لا نستطيع تقديره هو الثمن الذي سيدفعه هذا الشعب.
لقد انتصر السوريون على النظام الأسدي البعثي البائد، الموصوف بأنه كان نظاما “طائفيا مستبدا فاسدا وقاتلا”، وكان ثمن هذا الأنصار غاليا جدا، وكنا نتمنى أن يتمكن من كنس ذلك النظام دون بلوغ الثمن هذا الحد، وعملنا على ذلك، لكن أقدار الله هي الغالبة.
وسينتصر السوريون على هذا النوع من العبث، وسيمضي هؤلاء إلى مصيرهم، كما مضى السابقون، والذي يبحث في تاريخنا القريب والبعيد سيجد نظائر عديدة لمثل هؤلاء، ونتمنى، وندعو، ونعمل لأن يتحقق ذلك بأقل الأثمان، فيكفي الشعب السوري ما دفعه حتى الآن لاسترجاع حقه في حياة كريمة فاعلة.

أيها القائد الشهيد الجليل….. إنهم فيما قاموا به من عبث لا يقصدونكم، وإنما يقصدون ما تمثله ويمثله جيلك من جهاد وقيم وفداء… وهم فيما فعلوه لا يؤثرون بمكانتك وقيمتك في ضمير ووجدان وتاريخ شعبك وأمتك، وأنت حي في مثواك، ولكنهم يحددون ويختارون المكان الذي يليق بأمثالهم ممن يمارسون هذا العبث.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...