الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وعاشروهن بالمعروف} سورة النساء.
وعن أم المؤمنين عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم “خيرُكُم خيرُكم لأهله وأنا خيركم لأهلي” رواه البيهقي. إن مما يؤسف جدًا أن أضحى كثيرٌ من الناس في هذا الزمان يظلمون النساء ويمنعونهن حقوقهن تحت دعاوى واهيةٍ وذرائع ساقطةٍ تُخالف تعاليم الدين الحنيف الذي حفظ الحقوق وأوضح السُبل بأحكامٍ راقية يسعد من عمل بها في الدارين، وذلك يقتضي النُصح بالدعوة للثبات على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علَّم الأمة بحاله ومقاله، وأكد على اعتناء الرجل بأهله تأكيدًا عظيمًا.
ولفظةُ الأهل في أصل اللغة تشمل الزوجة وأهل البيت والأقارب.
ومعناه في الحديث أعلاه الزوجة بدلالة حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أكمَلُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا وخيركم خيرُكم لنسائهم” رواه الترمذي.
وقد كان نبينا الأعظم صلوات الله وسلامه عليه أحسن الناس وخيرهم لأزواجه.
فقد كان من خلقه الشريف أن يدور على نسائه إذا أصبح فيسلم عليهن مع أنه أحقُ أن يُؤتى إليه للسلام عليه، فعن أنسٍ في حديثٍ طويلٍ قال: “فجعل (أي النبي صلى الله عليه وسلم) يتتبع حُجَر (بيوت) نسائه يُسلِّم عليهن” رواه مسلم. وعن أم المؤمنين عائشة قالت: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط بيده ولا امرأةً ولا خادمًا إلا أن يُجاهد في سبيل الله” رواه مسلم.
وعن عروة قال: “سأل رجلٌ عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعملُ في بيته شيئًا؟ قالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَخصِفُ نَعْلَهُ ويَخِيطُ ثوبه ويعملُ في بيته كما يعمل أحدُكم في بيته” رواه أحمد.
وخَصَف النعل يَخصِفُها خَرزَها وذلك بأن يجعلَ جلد النعل بعضه فوق بعضٍ ثم يخصِفُها أي يخيطُها.
وحيث عُلم هذا فإن الفلاح في الاقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم، فينبغي للمؤمن أن يُحسن معاملة أهل بيته لا سيما زوجته فالزوجة المؤمنة إنسانٌ له حقوقٌ جديرٌ بالزوج أن يعتني بها، فإنه لا يخفى ما للزوجة المؤمنة من دورٍ بالغ الأهمية في الحياة وما تتحمَّله من أعباءٍ وتقُوم به من أمورٍ عظيمةٍ لا يسع المنصف من الأزواج إلا أن يُقابلها بالوفاء والعِرفان بالجميل، فإن من كمال شكر الله تعالى أن تشكر الناس الذين يُسدُون لك المعروف فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يَشكُرُ الله من لا يشكُرُ الناس” رواه البخاري في “الأدب المفرد” وذلك لأن إحسان الناس بعضهم لبعضٍ هو من جُملة إنعامه تعالى.
وحيث نرى كثيرًا ما تُحسنُ الزوجة إلى زوجها وأولادها من حيث تعهدها لمطعمه ومشربه ولأولاده بمثل ذلك، مع اهتمامها بشأن البيت وما تبذله من الجهد من نفسها لتوفر لزوجها وأبنائها الراحة ولا يقتصر دورها على هذا فحسب، بل لطالما كانت المرأة الفاضلة مثالًا للعطاء والصبر. ومن كان هذا شأنها من النساء فجديرٌ أن تُقَابل بالاحترام والتقدير لا بالاحتقار والمهانة وذلك أننا نرى كثيرًا من الرجال يُسيئون معاملة زوجاتهم ويصحبنهن بالسيرة القبيحة من غير مُراعاةٍ لأحكام الشرع في هذا الخُصوص ولهؤلاء نقول:
ليست البطولة أن تظلم امرأتك ولا أن تعيش معها فظًا غليظًا ولا أن تعاملها معاملة المتسلط المغرور بنفسه الذي لا يرعى لها حقًا ولا يعرف لها فضلًا، ولا أن تضربها لأن الطعام لم يُعجبك أو لأنها قصَّرت في غسل ملابسك وترتيبها، بل خيرٌ لك أن تصبر عليها إذا ضَجِرَت ولا تسء بها الظن بغير سببٍ معتبر، فقد روى مسلمٌ وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يَفْرَك (يُبغض) مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر” وأن تُنفق عليها باعتدالٍ من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ وتُحسن لها الكلام ولا تكسر قلبهَا بالكلام الغليظ ولا تتعرض لها بالأذى، وأن تتلطَّف بها إذا حملت وإذا وضَعت ولا تُظهر لها الحزن إن ولدت أنثى كحال بعض الجهلة الذين يشتمون نساءهم أو يضربونهن إذا ولدن الإناث، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يطلق زوجته إن ولدت له أنثى وينبغي للزوج أيضًا أن لا يُفشي سرها وأن يُشعرها بالاهتمام ولا يُرهقها بسوء خُلُقه ولا ينهرها إن تأخرت في إعداد الطعام أو الشراب أو بعض أعمال المنزل، فقد روى ابن عساكر في “تاريخ دمشق” أن الصحابي الجليل أبا الدرداء تزوج امرأة فقال لها: “إذا غضبت ترَضَّيني وإذا غضبت ترضَّيتك فمتى لم يكن هكذا ما أسرع ما نفترق” معناه اصبري عليَّ وأصبر عليك عند الغضب.
وحيث عُلم هذا فنقول: ليست المرأة سلعةً تجارية تُباع وتُشرى وليست مجرد آلةٍ يستعملها الرجل لقضاء حاجاته وقد قال الفقهاء في تعريف الزواج: ” النكاح شرعًا يُطلقُ على عقدٍ يتضمن إباحة وطءٍ” ولم يقولوا: “عقدٌ يُبيح اضطهاد المرأة وتجريدها من حقوقها الخاصة” ولذلك ينبغي أن يعاشرها الزوج بحُسن السيرة فقد قال ربنا تعالى في سورة النساء:{وعاشروهن بالمعروف} وجاء في “تفسير الطبري” في شرحه على هذه الآية: “خالقُوا أيها الرجال نساءكم وصاحبوهن بالمعروف، يعني بما أُمرتم به من المصاحبة وذلك إمساكهن بأداء حُقوقهن التي فرَض الله جلَّ ثناؤه لهن عليكم إليهن” وقد أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم التوصية بالزوجات، فقد أخرج الترمذي عن عمرو بن الأحوص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا واستوصوا بالنساء خيرا” وفي مسند أحمد عن أبي حُرَّة الرِقَاشي عن عمه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “فاتقوا الله في النساء” وقد عَقَد الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه “صيد الخاطر” فصلاً سمَّاه “فصل الإحسان إلى الزوجة عمل الرجال” أي هو عملٌ جيد يراعيه الرجل الأبيُّ ولا يتكبَّر عنه بدعوى أنه رجلٌ فإن الإحسان والتواضع للزوجة شهامةٌ ومروءةٌ وليس ضعف شخصيةٍ كما يزعم الجهلة.
وإذا ما عُلم هذا فليُصدع به في وجه كل من يزعم أن الإسلام يضطهد الزوجة ويقيدها بقيود الاستبداد والتعسف، فإنه لا يقول ذلك إلا الجاهل أو المعاند
والحمد لله أولًا وآخرًا.


