الإثنين، 15 يونيو 2026
بيروت
22°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

في ظلال رمضان

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفُرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه} سورة البقرة.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه” رواه البخاري.
لا شك أن ايام رمضان فرصةٌ عظيمةٌ لمريد الآخرة ليستعد ويتزود من هذا الشهر الكريم ابتغاء مرضاة الله تعالى، وحيث ما زلنا في دار العمل فإن العاقل من لزم في دنياه حُسن العمل فقد قال ربنا تعالى في سورة التوبة: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} وقال أيضا: {والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملا} سورة الكهف.
فرمضان شهر العلم والعمل، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، ويكفي هذا الشهر من الشرف والفخار أنه شهر نزول القرآن وهو شهر الأنس والنفحات والأسرار والفيوضات.
وهو شهر تهذيب النفس وصفاء الروح، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ أن يدع طعامه وشرابه” رواه البخاري. ومعناه لا ثواب له ولكنه لا يفطر بذلك. فليس المقصود من الصوم إذًا مجرد الجوع والعطش بل الإصلاح والاستقامة، فقد روى النسائي وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر”. وهذا الحديث ينطبق على غير واحدٍ، فمن ذلك المرائي الذي يصوم ليمدحه الناس، والجاهل الذي يُخلُّ بأركان الصوم ويقع في مفسدٍ يُفسد صومه وهو لا يدري فيمسك بقية يومه لظنه صحة صومه، والمرتد الذي يعتقد أو يفعل أو يقول ما يُخرجه عن ملة المؤمنين كمن يسب الله أو الملائكة أو النبيين، وقد أجمع العلماء على أن أي قول أو فعل أو اعتقاد فيه استخفافٌ بالله وملائكته وكتبه ورسله أو وعده أو وعيده خروجٌ من الإيمان ونقضٌ لما تقرر في شريعة الإسلام ولا ينتفع ولا يُقبل ممن وقع في ذلك أي عملٍ من صور الأعمال الصالحة بعد ذلك ما لم يتبرأ مما وقع فيه بالشهادتين، وبالتالي فعلى العبد أن يحتاط لدينه فيكون حريصًا على صحة عبادته من صلاة وزكاةٍ وحجٍ وصومٍ وغير ذلك مما كلَّفه الله به.
بعض الحِكم من الصوم
وقد شرع الله تعالى الصوم للمؤمنين ولا شك أن فيه حكمًا كثيرةً منها إيقاظ قلوبهم من الغفلة وتقوية إرادتهم وتعويد أجسامهم على الصبر وتعريفهم بنعم الله التي لا نُحصيها كما قال ربنا تعالى في سورة النحل: {وإن تعدُّوا نعمة الله لا تحصوها} وتربية مشاعر الود والرحمة والتدريب على كمال التسليم لأوامر الله جلّ جلاله فيما فرض على العباد، ففي الصوم توجيهٌ للعبد لينظر ويفكر بأمور الآخرة حيث يتخلَّى عن شهوات الدنيا رغبةً بما عند الله من الأجر والثواب العظيم.
ومن فوائد الصوم قوة العزيمة لأن النفس الأمارة بالسوء تتوق لإخضاع صاحبها فإذا ما كسر شهواتها بالصوم أصبحت ذليلةً ومحكومةً وبذلك يملك الإنسان نفسه ويتماسك أمام أعاصير أهوائها المختلفة، وبذلك تتمكن في نفس الصائم صفة الأمانة حيث يُرغم نفسه على ترك الملذَّات في حال انفراده عن الناس كما في حال اجتماعه بهم لأنه يرى نفسه راعيًا لأمانة الصوم، ومن تمكنت صفة الأمانة في نفسه كان على خيرٍ عظيم ولا شك أن التكاليف الشرعية أمانة ولكن أغلب الناس يضيعون هذه الأمانة للأسف وقد قال ربنا تعالى في سورة الأحزاب: {إنَّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا}.
قال الطبري في “جامعه:”قال ابن عباس في قوله إنَّا عرضنا الأمانة لأمانة الفرائض التي افترضها الله على عباده” وإذا ما صام العبد تمكنت الأمانة في نفسه فكان جديرًا أن يحمله ذلك على أداء سائر الواجبات واجتناب سائر المحرمات لأنه يعرف بالصوم فضيلة الصبر ويُدرك عاقبة الطاعة ويعتاد كفَّ نفسه عما حرَّم الله في أيامٍ يسيرة، فينبغي أن يواظب على ما اعتاده في رمضان بعد انقضاء رمضان.
ومن فوائد الصوم أيضًا الشجاعة حيث استطاع الصائم قهر نفسه الأمارة بالسوء وجعلها سهلة منقادة، وحريٌ به كما قهر نفسه بترك الطعام والشراب أن يقهرها بغير ذلك أيضًا فيرغمها على الاستقامة فإن مخالفة النفس شفاؤها، ويكون شجاعًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مُجاهدًا بلسانه في إحقاق الحق وإبطال الباطل. وما أحوجنا إلى الجهاد البياني في هذا الزمن بدل الإرهاب المسلح البغيض الذي يزعمه البعض جهادًا وما هو في حقيقة الأمر إلا من جملة الفساد في الأرض الذي نهى الله ورسوله عنه.
وليُعلم أنه يجتمع للمؤمن في رمضان جهادان: جهادٌ بالنهار على الصيام وجهادٌ بالليل على القيام، فمن صبر عليهما كان ساعيًا في تهذيب نفسه وترويضها ووفَّاه الله أجره يوم القيامة غير منقوص، فقد روى البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: “للصائم فرحتان يفرَحُهما إذا أفطر فرح بِفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه” ومعنى “فرح بفطره” أي لإتمام الصوم وخُلُوه من المفسدات أو لتناوله الطعام فيفرح بعودة القوة والنشاط إلى البدن بعد إمساك النهار، ومعنى “وإذا لقي ربه فرح بصومه” أي يُسرُّ إذا لقي ربه بما أعده الله له من الثواب الجزيل يوم القيامة.
فرمضان إذًا ليس شهر الكسل والتقاعس عن أداء الواجبات وترك رضا رب العالمين بدعوى الجوع والتعب، فقد كان رمضان على مدار التاريخ شهر التزود بالخير وشهر البطولات والفتوحات وتخريج الفقهاء والعلماء، بخلاف ما عليه حال أغلب الأمة اليوم، حيث يقضون رمضان في السهرات التي لا خير فيها، إنما هي اجتماعات على اللهو والمجون والمعاصي، فأين حال هؤلاء من حال من عرف قدر رمضان وسر أيامه ولياليه فاتخذه موسمًا لمضاعفة الأجور استعدادًا ليوم يفوز فيه الصالحون ويخسر فيه المبطلون.
والحمد لله أولًا وآخرا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الهجرة النبوية... حين يصنع الإيمان التاريخ العظيم

ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية،...

من معاني الهجرة الشريفة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى: قال الله تعالى في القرآن الكريم :{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...

الإمام البخاري جبل الحفظ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إن الله يُدافع عن الذين ءامنوا إن الله لا يحب كل خوَّانٍ كفور} سورة الحج. وقال تعالى أيضًا:{ولو...