الإثنين، 18 مايو 2026
بيروت
27°C
غيوم قاتمة
AdvertisementAdvertisement

من بكين إلى الشرق الأوسط: ماذا عاد ترامب حاملاً؟

كارولين ياغي

عاد دونالد ترامب من الصين، لكن صدى الزيارة لم يبقَ محصوراً بين واشنطن وبكين. فالمنطقة كلّها، من طهران إلى تل أبيب مروراً ببيروت وغزة، كانت تراقب ما إذا كانت تلك الزيارة ستفتح باب تهدئة كبرى، أم أنها مجرد محطة جديدة في سباق النفوذ العالمي.
في الظاهر، بدت الزيارة اقتصادية وسياسية بامتياز. حديث عن التجارة، وعن التنافس التكنولوجي، وعن مستقبل العلاقة بين القوتين الأكبر في العالم. لكن خلف الكواليس، كان الشرق الأوسط حاضراً بقوة، لأن الصين لم تعد مجرد شريك اقتصادي لإيران، بل تحولت تدريجياً إلى مظلة سياسية ودبلوماسية تحاول طهران الاحتماء بها في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
يعلم ترامب جيداً أن أي مواجهة طويلة مع إيران لن تكون معزولة عن الموقف الصيني. وبكين تعرف بدورها أن إشتعال المنطقة بالكامل سيهدد مصالحها النفطية والتجارية ومشروعها التوسعي العالمي. لذلك، بدا واضحاً أن الزيارة لم تكن فقط لتخفيف التوتر بين أميركا والصين، بل أيضاً لمحاولة رسم حدود الاشتباك في الشرق الأوسط.
اللافت أن واشنطن، بعد الزيارة مباشرة، رفعت منسوب الحديث عن شروط أي تفاوض مع إيران، وكأنها تريد القول إنها عادت بتفاهمات أو على الأقل بضوء أخضر يمنحها هامش ضغط أكبر. في المقابل، بدأت طهران بإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية سريعاً، عبر تعزيز قنوات التواصل مع الصين وتحريك شخصيات سياسية أساسية لإدارة هذا المسار.لكن السؤال الحقيقي ليس ما قاله ترامب في بكين، بل ما الذي تغيّر بعد عودته؟ حتى الآن، لا يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة سلام فعلي.
إسرائيل ما تزال في حالة استنفار، وغزة تشتعل، والجنوب اللبناني يعيش فوق هدنة قابلة للانهيار في أي لحظة. أما إيران، فلا تزال تتحدث بلغة الصمود أكثر من لغة التسوية.
ومع ذلك، ثمة انطباع يتشكل بهدوء:
الجميع يريد تجنب الحرب الكبرى لكن أحداً لا يريد أن يظهر بمظهر المتراجع.
هنا تحديداً يصبح لبنان أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
لأن البلد الصغير الذي أنهكته الأزمات، يجد نفسه مرة جديدة عالقاً بين رسائل القوى الكبرى. كل تفاهم أميركي – صيني قد ينعكس على طهران، وكل ضغط على إيران قد يظهر في الجنوب اللبناني، وكل تصعيد إسرائيلي يتحول فوراً إلى خوف يومي عند اللبنانيين.
الناس هنا لم تعد تهتم كثيراً بتفاصيل البروتوكولات الدبلوماسية أو الصور الرسمية.
ما يعنيها فعلاً هو النتيجة:
هل ستخفّ الغارات؟
هل ينجو الصيف اللبناني من الحرب؟
وهل يمكن لهذه المنطقة أن تتعب أخيراً من الدم؟
ربما عاد ترامب من الصين محمّلاً بتفاهمات غير معلنة، وربما عاد فقط برسائل متبادلة. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط بعد الزيارة ليس كما قبلها تماماً. ثمة شيء يتحرك في العمق، وإن كان ببطء شديد.
أما اللبناني، فصار خبيراً في قراءة الإشارات الصغيرة ويعرف أن الحروب الكبيرة تبدأ أحياناً من تصريح، وأن التسويات الكبرى قد تولد من لقاء بدا عادياً أمام الكاميرات ورغم كل القلق، ما يزال هناك من يتمسك بفكرة بسيطة جداً: أن هذه المنطقة، بعد كل هذا الخراب، ربما تستحق أخيراً فرصة لإلتقاط أنفاسها.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

محمد فاروق مهني يكتب: هل يعاد تعريف العدو في المنطقة العربية؟

في اللحظة التي تتزايد فيها الانباء عن وجود وحدات طيران مصرية علي الاراضي الإماراتية بالتوازي مع تقارير متصاعدة عن مساهمة اسرائيلية في بناء وتطوير منظومات دفاع جوي داخل الإمارات،...

مع أول كلمات الرئيس الصيني لترمب! رمى مصطلحا تاريخيا رهيبا وذكيا جدا، وكنت أستمع لكلامه بالترجمة الإنكليزية، ويبدو أن المترجم لم يلتقط الدقة الكاملة لوصفه التاريخي بكلمتين فقط حين قال:

وبالرجوع إلى نحو ألفين وأربعمئة سنة إلى الوراء، على بحر إيجة، بدأت واحدة من أخطر قصص التاريخ السياسي. كانت إسبرطة قوة عسكرية قاسية، شديدة التنظيم، تعرف القتال والغزو والانضباط...

في ذكرى النكبة...الأمم المتحدة تاريخ معيب وحاضر متواطئ

ليس مبالغة القول أن الأمم المتحدة هي السبب الرئيس في الحروب والتوترات التي يشهدها الشرق الأوسط. وكل ما تعيشه هذه المنطقة من مآسي وحروب سببها إسرائيل ولولاها لكانت المنطقة تعيش...

مَن يستعدي الناس يخسر ثقة الناس!

مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، خيانة، وخرق للدستور، مدخلُ فتنةٍ بين اللبنانيين، وذخيرة سلاح حرب أهلية تأكل اخضر لبنان ويابسه!! هذه سردية بعض المواطنين الذي يتبنون موقف...

الصراع والمفاوضات (1):

اندفاعة المقاوم  الشجاع وصلابة المفوض  المتمسك بحقوق شعبه المشروعة: وجهان   لعملة  واحدة.       الثورة مقاومة  الثورة وعي فإرادة  فعزم فمقاومة ؛ بذلك تنتصر- غالبًا –  بوجه ...

الجزء الرابع : تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة و الشيعة

والحقيقة أن اليوم ليس وقت مواجهة لأن هناك عدو يريد أن يفنينا جميعا ، ليس لدينا وقت لنتناقش حول عدالة الصحابة وحول أمور نظرية لا يترتب عليها عمل ، وليس هذا وقت الخلاف على من أولى...