الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من رلى حوري إلى ابناء الوطن :

ازمة لبنان لا تحصر بجهة واحدة

ما يجب ان يقال في مواجهة اي طرح انفعالي مشحون بالمواقف المسبقة هو التالي :

*ان اختزال ازمة لبنان الراهنة في طائفة بعينها او في حزب بعينه لا يمكن ان يشكل مدخلا علميا او سياسيا جادا لفهم الواقع المعقد ،ولا يؤسس الا لمزيد من الانقسام والتشنج.. الازمة اللبنانية اعمق من ان تحصر في جهة واحدة ،وهي ناتجة عن تراكمات بنيوية في النظام السياسي الطائفي ،وعن منظومة اقتصادية ريعية شاركت في ترسيخها معظم القوى السياسية على اختلاف طوائفها، ضمن معادلات زبائنية عززت النفوذ الشخصي على حساب المصلحة العامة..
*اتهام “الثنائي الشيعي” او بالأحرى “الطائفة الشيعية” او حزب الله بانه يمثل مصدر الانقسام.. يتجاهل الحقائق التالية :
اولا ان هذه الطائفة دفعت اثمانا باهظة في الحروب الاسرائيلية ،وفي الانهيار الاقتصادي وفي العقوبات .
ثانيا ان الحديث عن سيطرة وتسلط، يتجاهل ان الحكم في لبنان كان ولا يزال نتيجة تسويات ومحاصصات بين مختلف الزعامات ،وان النفوذ لم يكن حكرا على احد ،بل كانت كل طائفة تمسك بمفاصل معينة من الدولة ،وتحتمي بخطوطها الحمراء ،وترعى مصالحها ضمن بيئتها الخاصة .
اما الحديث عن سلاح المقاومة، فيجب ان يعالج بمنهج عقلاني لا انفعالي ،السلاح ليس مقدسا ولا خارج النقاش ،لكنه لا يحل بشيطنة الجهة الحاملة له ،بل بالحوار الجدي حول :
“استراتيجية دفاعية وطنية”!!!
تحفظ الكرامة والسيادة من جهة ،وتحمي الداخل من الانفجار من جهة اخرى ،فالوحدة الوطنية لا تبنى “بالتحريض” ولا باثارة مشاعر الخوف والكراهية ,بل بالتفاهم على مشروع وطني مشترك ،يتجاوز ثنائيات الادانة والتخوين ويعيد الاعتبار لمفهوم الدولة العادلة التي تحمي جميع ابنائها من دون تمييز..
*ان تأريخ الازمة اللبنانية بموضوعية يفرض الاعتراف بان جذور الانقسام والحروب الداخلية والصراعات المسلحة تعود الى ما قبل ظهور حزب الله بسنوات طويلة ،فلبنان عرف في السبعينات تحالفات دامية ومحاور اقليمية متصارعة ،وحروبا اهلية طاحنة بين مكوناته السياسية والطائفية ادت الى مآس وطنية مروعة حتى الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 ،الذي شكل نقطة تحول في مسار النزاع حصل في ظل فراغ دفاعي كبير.. ولم يكن حزب الله حينها قد ولد بعد اما المجازر التي ارتكبت في مخيمي صبرا وشاتيلا فقد نفذتها ميليشيا مسيحية بالتنسيق مع الاحتلال الاسرائيلي وسط صمت اقليمي ودولي مخز ،ومن دون وجود طرف لبناني منظم يردع او يحاسب او يدافع عن المدنيين.
هذه الحقائق التاريخية تؤكد ان تحميل طرف واحد وزر كل ما يعانيه لبنان هو تبسيط ” مخادع” للتاريخ و”تزوير” لمسار طويل من التناحر والارتهان والتدخلات الخارجية، التي طالت معظم القوى والتيارات من دون استثناء ..
في المقابل تسطيح الصراع العربي الاسرائيلي وتصويره كانه نتيجة تشتتنا الداخلي فقط يتناسى ان هذا الصراع له جذور تاريخية واستراتيجية عميقة ،وان المشروع الصهيوني مدعوم دوليا منذ تأسيسه ،وان مواجهة تمدده تتطلب وحدة الموقف العربي اولا ،وليس فقط لوم الذات او جلد الداخل فالمعادلة الحقيقية ليست بين الداخل والخارج ،بل بين مشروع مقاوم يراد احتواؤه او تهميشه، ومشروع تفكيكي يراد فرضه على المنطقة باسم الاستقرار والواقعية السياسية ..!!
وفي هذا السياق لا يمكن اغفال حقيقة ان اهل غزة الذين محيت بيوتهم من على وجه الارض ،ويتعرضون للابادة الجماعية والموت بالتعذيب والحرق احياء ،لم يتفوهوا بكلمة واحدة تشير الى القبول بالتطويع او التنازل عن حقوقهم التاريخية. لانهم شعب يحمل وعي الايمان والكرامة ويربط بقاءه بعدالة قضيته، لا بتسويات مؤقتة او مصالح آنية، هم شعب يخاف الله ويضع كرامته وعزته فوق كل اعتبار…!!!
ان خطاب الفقد واليأس و”يا ضيعانك يا لبنان” قد يستخدم كاداة تعبير عن الحزن لكنه لا ينتج حلولا ولا يلهم تغييرا..!!
ما ينقذ لبنان ليس العودة الى ما كان عليه ،بل التقدم نحو ما يجب ان يكون دولة عادلة ، شفافة. حازمة، تستخدم سلطاتها لفرض هيبتها على الداخل وعلى العدو .. يحكمها القانون ويشارك الجميع في انتاج مؤسساتها ،لا عبر الولاءات الطائفية بل عبر الكفاءة والمحاسبة والتمسك بفكرة الوطن لا الجماعة..
ومن دون تجاهل جذور الازمة الحقيقية لا بد من الاشارة بوضوح الى ان الفساد الذي نخر مؤسسات الدولة لم يكن حكرا على طرف واحد، بل هو نتيجة منظومة زبائنية مترابطة بين معظم الاحزاب والقوى الطائفية التي وزعت الحصص والمنافع على قاعدة الولاء السياسي لا الكفاءة. المحاصصة التي هيمنت على الادارات وتوزيع المناصب على اساس مذهبي لا وطني ،هما اصل الانهيار وحجر العثرة امام اي اصلاح حقيقي لا يمكن لاي طرف ان” يدعي الطهارة” بينما شارك في تقاسم الدولة او صمت عن سوء ادارتها او استخدم مؤسساتها، كادوات لتعزيز سلطته على حساب المجتمع ..
باختصار المشكلة ليست في طائفة ولا في جهة، بل في النظام الذي ينتج هذا الكم من الانقسامات ويمنع الدولة من ان تكون دولة فعلا والمطلوب ليس توزيع اللوم بل انتاج رؤية وطنية شاملة ،تستند الى المواطنة لا المذاهب والى العقل لا الغرائز ،والى مسؤولية جماعية لا تبادل للاتهامات .

صوت الذين لا صوت لهم

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...