الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من غرينلاند إلى لبنان... أوهام الضمّ… وحقائق النفوذ

كلُّ ما يُرفَضُ اليوم، قد يُصبِحُ مقبولًا غدًا… هذه العبارة تختصر الكثير من منطق السياسة الدوليّة، حيث لا تُقاسُ الأفكارُ بصدقيّتها الأخلاقيّة بقدر ما تُقاسُ بميزان القوّة والمصلحة. ومن هذا المنطلق، طُرِحَ في السنوات الأخيرة سؤالٌ بدا صادمًا للبعض: لماذا أصرّ الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على فكرة ضمّ غرينلاند إلى الولايات المتحدة؟ وهل يمكن، يومًا ما، أن يُطرَح سيناريو مشابه بحقّ لبنان؟

إنّ الإصرار الأميركي على غرينلاند لم يكن نزوةً إعلاميّة ولا مجرّد تصريحٍ شعبويّ، بل تعبيرًا فاضحًا عن تفكيرٍ استراتيجيّ يقوم على ثلاثة عناصر أساسيّة: الموقع، والثروة، والأمن القومي. فغرينلاند تقع في قلب القطب الشمالي، حيث الممرّات البحريّة المستقبليّة، وتجاور مساحات النفوذ الروسي والصيني. كما تختزن في باطنها معادن نادرة واحتياطات طاقة تُعدّ من أثمن ثروات القرن المقبل. أمّا أمنيًّا، فالولايات المتحدة موجودة عسكريًّا هناك منذ عقود، ما جعل فكرة “الشراء” في ذهن ترامب امتدادًا لمنطق السيطرة لا اختراقًا له.

لكنّ الخطأ القاتل يكمن في إسقاط هذا النموذج على لبنان. وهنا يصبح واجبًا قول الحقيقة بلا مواربة: ضمّ لبنان إلى الولايات المتحدة غير ممكن، لا قانونيًا ولا سياسيًا ولا واقعيًا. فلبنان دولة ذات سيادة، عضو كامل في الأمم المتحدة، له دستور وحدود معترف بها دوليًا، وليس إقليمًا تابعًا أو كيانًا ذا حكمٍ ذاتيّ يمكن التفاوض على مصيره. كما أنّ كلفة ضمّ دولة مأهولة، متعدّدة الطوائف، ومأزومة سياسيًا واقتصاديًا، تفوق أي منفعة محتملة، حتّى على أعظم الإمبراطوريات.

أما ما يُثار حول الثروة النفطيّة والغازيّة في البحر اللبناني، وربما في البرّ لاحقًا، فلا يشكّل مبرّرًا لأي سيناريو ضمّ. فالدول الكبرى لا تحتاج إلى رفع أعلامها فوق الأراضي كي تستفيد من خيراتها. يكفيها أن تُمسك بالقرار السياسي، وأن تُحكِم قبضتها عبر العقود، والضغوط، وشبكات النفوذ، وتوازنات الداخل. السيطرة الحديثة لا تمرّ بالدبّابة، بل بالاتفاقيّة، ولا تُعلَن بالاحتلال، بل تُمارَس بالإدارة غير المباشرة.

وهنا تحديدًا يكمن الخطر الحقيقي على لبنان. الخطر ليس أن يُضمّ رسميًا إلى دولة أخرى، بل أن يتحوّل إلى ساحةٍ مفتوحة تُدار من الخارج، وأن تُستنزَف ثرواته باسم الشراكات، وتُكبَّل سيادته باسم الاستقرار، فيما يبقى شكليًا دولة مستقلّة، بعلمٍ مرفوع ونشيدٍ وطنيّ، لكن بلا قرار.

إنّ السؤال الصحيح ليس: هل يمكن ضمّ لبنان؟
بل: هل يستطيع لبنان حماية قراره وثروته قبل أن يُفرَض عليه واقعٌ لا يحتاج إلى ضمّ؟

في عالم المصالح، لا شيء مستحيل نظريًا، لكنّ الأوطان لا تسقط دائمًا بالاحتلال… أحيانًا تسقط حين تعجز عن الدفاع عن نفسها من الداخل…

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...