الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكِّيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين} سورة آل عمران.
يهلُّ هلال الشهر الثالث شهر ربيعٍ الأول الأنور من مكمنه فتفرح به قلوب المؤمنين الصَّادقين العاشقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويبقى شهر المولد الشريف عنوانًا للأنس بذكرى ميلاد حبيب قيُّوم السموات والأرضين سيدنا محمدٍ الأمين صلى الله عليه وسلم.
لا لوم ولا عتب في عشق سيد السادات محمدٍ صلى الله عليه وسلم فزد هيامًا في محبته وليأكل اللهب قلب مبغضه وليمت بغيظه الكاره لإظهار الفرح بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم إمام كل إمام وله الشرف والمكارم العظام.
ولئن كان نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بعثةً فلقد سبقت شهرته مولده الشريف قال تعالى:{وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ ءاتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ ثم جاءكم رسولٌ مصدِّقٌ لما معكم لتؤمنُنَّ به ولتنصرنَّه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} سورة آل عمران.
فقد أخذ الله الميثاق على الأنبياء عليهم السلام وألزمهم الإيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم والإقرار بفضله العظيم وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لمَّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربي أسألك بحق محمدٍ لما غفرت لي فقال الله(وهو أعلم)يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لمَّا خلقتني بيدك (أي بعنايةٍ منك) ونفخت فيَّ من روحك (أي من الروح المشرَّفة عندك لا أنه ينفخ كالبشر تعالى الله عن ذلك) رفعت رأسي فوجدت مكتوبًا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليَّ وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك” رواه الحاكم في “المستدرك” وقوله: لمَّا اقترف آدم الخطيئة أي حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها وكان هذا الأكل معصيةً صغيرةً ليس فيها خسةٌ ولا دناءةٌ فتاب إلى الله تعالى فورًا فقبل الله توبته ومعلومٌ أن الله تعالى قد عصم الأنبياء من الكفر والكبائر وصغائر الخسة وأنه يمكن وقوع ما سوى ذلك منهم ولكن يُنبَّهون فورًا للتوبة.
ولئن كان نبينا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بعثةً فهو أول الأنبياء في الفضل قال تعالى:{وكان فضل الله عليك عظيمًا} سورة النساء. وعن أبي سعيدٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وما من نبيٍ يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وعن ابن عباسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”وأنا حبيب الله ولا فخر” رواهما الترمذي. وقال الحافظ ابن حجر:
قديمًا بدا قبل النبيين فضله فإن قُدِّموا بَعُثًا ففي الفضل يسبقُ
وقال الحافظ البوصيري:
الله فضَّله ورجَّح قدره فليهنه التفضيل والترجيح
إن جاء بعد المرسلين ففضله من بعده جاء المسيحُ ونوحُ
ولئن كان نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بعثةً فهو أولهم في الإمامة وقد دلَّ على عظيم درجته أن قدَّمه الأنبياء عليهم السلام للإمامة بهم في الصلاة في المسجد الأقصى ليلة الإسراء فعن أبي هريرة في حديث الإسراء والمعراج وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اجتماعه بالأنبياء فقال:”فحانت الصلاة فأممتهم” رواه مسلم.
ولئن كان نبينا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بعثةً فهو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فيُبعث من قبره وأول من يدخل الجنة وأول شافعٍ ومُشَفَّعٍ فعن عبد الله بن سَلاَمٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأول شافعٍ ومُشفَّعٍ لواء الحمد بيدي يوم القيامة تحتي آدم فمن دونه” رواه الطبراني. وعن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمد فيقول بك أُمرت لا أفتح لأحدٍ قبلك” رواه مسلم.
ولئن كان نبينا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بعثةً فهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود واللواء المعقود قال تعالى:{عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودا} سورة الإسراء. قال الطبري في جامعه: عن ابن عبَّاسٍ قوله: عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا قال: المقام المحمود مقام الشفاعة ولا تختص الشفاعة العظمى بأمته صلى الله عليه وسلم بل ينتفع بها المؤمنون من أمته ومن غير أمته من مؤمني الأمم السابقة وهناك شفاعاتٌ أخرى ولسنا في صدد الدخول في تفصيل ذلك وقال تعالى:{إنَّا أعطيناك الكوثر} سورة الكوثر. والكوثر الحوض في قول بعض المفسرين والحوض مجمع ماءٍ واسعٍ ولكل نبيٍ حوضٌ تشرب منه أمته يوم القيامة وعن أم المؤمنين عائشة في قوله تعالى: إنَّا أعطيناك الكوثر قالت: نَهَرٌ أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم شاطئاه عليه دُرٌّ مُجوَّفٌ آنيتُه كعدد النجوم” رواه البخاري. وعن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الكوثر فقلنا الله ورسُوله أعلم قال: فإنه نَهرٌ وعدنيه ربي عزّ وجلَّ عليه خيرٌ كثيرٌ وحوضٌ ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيتُه عدد النجوم” رواه مسلم.
ولئن كان نبينا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بعثةً فهو أشرف المرسلين وخاتم النبيين وحبيب رب العالمين أفلح من صدَّقه وتبعه وخاب من كذَّبه وترك هديه فسبيله نورٌ وصراطه سراجٌ وهَّاجٌ للمسترشدين ولا زال نبينا صلى الله عليه وسلم نفَّاعًا في قبره الشريف كما نفع في حياته المباركة فعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”حياتي خيرٌ لكم تُحدثُون ويُحدَثُ لكم ووفاتي خيرٌ لكم تُعرضُ عليَّ أعمالكم فما رأيت من خيرٍ حمدتُ الله عليه وما رأيت من شرٍ استغفرت الله لكم” رواه البزَّار.
والحمد لله أولاً وآخرًا.


