الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{فالذين ءامنوا به وعزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه أُولئك هم المفلحون} سورة الأعراف.
لا زال المسلمون في أسقاع الأرض يحتفلون في شهر ربيعٍ الأول بذكرى ولادة خير الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخالف في جواز ذلك إلا شرذمةٌ شاذَّةٌ ونحن نرى أن إظهار الفرح في المولد الشريف من بشائر الخير وذلك دالٌّ على تعلُّق المسلمين بنبيهم وبنهجه الشريف ورسوخ محبته صلى الله عليه وسلم في القلوب ومن هنا فإننا ندعو إلى الاهتمام جدًا بشهر المولد الشريف فإن ذلك من تعظيمه صلى الله عليه وسلم ونحن مأمورون بتعظيمه كما دلَّت عليه الآية أعلاه فقوله تعالى وعزَّروه معناه: وعظَّموه وقد حاز السبق في إحياء الاحتفال وإظهار الفرح إظهارًا واسعًا جدًا بالمولد الشريف أول مرةٍ الملك المظفَّر صاحب إربل فنرجو له أن يكون داخلًا فيمن تصلهم أجور ما أحدثوا من بدعٍ حسنةٍ على مر الزمان فعن جرير بن عبد الله البَجَلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”من سنَّ في الإسلام سنةً حسنةً كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص من أجورهم شىءٌ” رواه مسلم
ولمن سأل عن هذا السلطان نقول:
هو السلطان المعظَّم مظفَّر الدين أبو سعيد كوكبري بن علي بن بكتكين التركماني أحد الملوك الأمجاد الذين أعزَّ الله بهم الإسلام ولد السلطان في إربل(شمال العراق عاصمة كردستان اليوم) سنة 549 هـ وصحب السلطان صلاح الدين الأيوبي وكان له نعمَ العون وجاهد معه في حطِّين وغيرها وكان شجاعًا فأحبَّه السلطان وزوَّجَه أخته وملَّكه إربل بعد وفاة أخيه زين الدين يوسف فسار سيرةً حسنةً وكان ديِّنًا جوادًا متواضعًا محبًا للعلم والفقهاء ولم يُنقل أنه انهزم في حربٍ قطُّ. بنى دُورًا للأرامل وللأيتام وللضعفاء ولِلَّقِيط (الطفل الذي يُوجد مرمِيًّا) وكان يدخل البيمارستان (المستشفى) يقف على كل مريضٍ يسأل عن حاله وكان يعطي عطاءً واسعًا ومن عزم على السفر أعطاه نفقةً تليق بمثله وبالجملة فقد كان محمود السيرة والسريرة.
اعتناؤه بالمولد الشريف
قال ابن كثيرٍ في “البداية والنهاية”
“الملك المظفَّر أبو سعيدٍ كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك الأمجاد له آثارٌ حسنةٌ وقد عمَّر الجامع المُظفَّري بسفح قاسيون وكان يعمل المولد الشريف في ربيعٍ الأول ويحتفل به احتفالاً هائلًا وكان مع ذلك شهمًا شجاعًا فاتكًا بطلًا عاقلًا عالمًا عادلًا رحمه الله وأكرم مثواه وقد صنَّف الشيخ أبو الخطَّاب بن دحية له مجلدًا في المولد النبوي سمَّاه (التنوير في مولد البشير النذير) فأجازه على ذلك بألف دينار” قال ابن خِلِّكان: “كان أبو الخطَّاب المذكور من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقنًا لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به عارفًا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها قدم مدينة إربل سنة أربعٍ وستمائةٍ فرأى ملكها المعظَّمَ مظفَّر الدين بنَ زين الدين مولعًا بعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم عظيم الاحتفال فعمل له كتاب التنوير وقرأه عليه بنفسه وسمعناه على الملك المعظَّم في ستة مجالس في سنة ستٍ وعشرين وستمائة وأجازه الملك على هذا الكتاب ألف دينارٍ” انتهى كلام ابن كثيرٍ” وفيه:”وقد وقفت على هذا الكتاب وكتبت منه أشياء حسنةً مفيدةً” وفيه:”قالت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب وقد كان زوَّجه إيَّاها أخوها صلاح الدين لمَّا كان معه على عكا: “كان قميصه لايساوي خمسة دراهم فعاتبتُه في ذلك فقال: لُبسي ثوبًا بخمسة دراهم وأتصدقَ بالباقي خيرٌ من أن ألبَس ثوبًا مثمّنًا وأدعَ الفقير والمسكين وكان يصرف على المولد في كل سنةٍ ثلاثمائة ألف دينارٍ وعلى دار الضيافة في كل سنةٍ مائةَ الف دينارٍ وعلى الحرمين والمياه بدرب الحجاز ثلاثين ألف دينارٍ سوى صدقات السر رحمه الله تعالى”
قال سبط ابن الجوزي في “مرآة الزمان”
“وملَّكه صلاح الدين الشرق وكان كثير الصدقات غزير البر والصلات حكى جماعةٌ عنه أنه كان يقول: لما أخذت إربل آليت على نفسي أن أقسم غلَّاتها ثلاثة أقسام قسمٌ أنفقه في أبواب البر وقسمٌ للجند وما يخُصُّني وقسمٌ أدَّخره لعدوٍ يقصدني وكان يعمل في كل سنةٍ مولد النبي صلى الله عليه وسلم في ربيعٍ الأول يجتمع فيه أهل الدنيا ومن وراء جيحون (وجيحون نهرٌ يفصل بين أفغانستان وطاجكستان وأوزبكستان وهو أكبر أنهار آسيا الوسطى حيث يصل طوله إلى 2540 كيلوميتر) العلماءُ والفقهاء والوعَّاظ والقراء والصوفية والفقراء ومن كل صنفٍ تضرب الخيام في الميدان وينزل من القلعة بنفسه فيقرأ القرَّاء ويعظ الوعَّاظ ويمدُّ سماطٌ أوَّلُه عنده وآخره في القلعة فلا يبقى إلا من يأكل ويحمل وحكى لي من حضر بعض السنين عددت على السماط مائة فرسٍ قشلمش (مسلوق) وخمسةَ الآف رأسٍ مشويٍ وعشرةَ الاف دجاجةٍ ومائةَ الف زُبديةٍ وثلاثيَن الف صحن حلوى ثم يخلع فيه على الأعيان وتُفرَّق فيهم الأموال على أقدارهم ولا يحضر هذا السماط أحدٌ من عسكره (إنما ذلك للناس) وتُفرَّق فيهم الأموال على أقدارهم وكان يبعث من يكتب أسماء المشايخ الذين يحضرون عنده في المولد فيعطي المشايخ على قدر طبقاتهم من المئة دينارٍ إلى الخمسين والثلاثين ولأتباعهم على حده ومن شاء سافر ومن شاء أقام عنده وكان قد بنى دارًا للضيوف يدخله جميع أجناس الناس لا يُمنع منها أحدٌ ويعطي كل واحدٍ على قدر حاله وبنى مكانًا للزمنى ومكانا للمساكين ومكانًا لليتامى ومكانًا للعميان وأجرى عليهم العطاء وكان يركب كل يومٍ بكرةً فيُقعد اليتيمة والمسكينة على مخدَّة ويهبُها ويقول أيشٍ تريدين تأكلين أيشٍ تريدين تلبسين فمهما طلبت أحضره فإذا كبُرت اليتيمة زوَّجها وأقام لكل واحدٍ من الزمنى من يخدمه وكان يبعث كل سنةٍ بالأموال والجواهر فيفتك الأسرى من بلاد الإفرنج ويعطي من افتكهم من الأسر ما يحتاجون وقد أُحصي أنه افتك ستين ألف أسيرٍ”
وفاته رحمه الله
بعد حياةٍ حافلةٍ بالخير العظيم توفي الملك المظفَّر ليلة الجمعة في الرابع عشر من رمضان سنة ثلاثين وستمائة عن اثنتين وثمانين سنةً ودفن في الكوفة رحمه الله والحمد لله أولًا وآخرًا.


