أجاب الشرع أحب البروتوكول عندما لا يتحول الى متاهة ، السياسة ليست مشية على السجادة الحمراء فقط بل أحيانا على حبل مشدود … ضحك الرئيس بوتن قائلا إذن عليك أن تمارس التوازن السياسي أيضا مثل الرياضة ؟ نعم قال الشرع لكن الفرق أن السقوط في الرياضة لا يقتل أحداً ، أما في السياسة فغالبا ما تكون الضربة قاضية انحنى بوتن قليلا الى الأمام وقال بجدية : ما الذي تريده دمشق الجديدة من موسكو …. قال الشرع : نريد تفهما يحترم السيادة ويصنع المصالح ، لا علاقة تبعية فسوريا اليوم ليست كما كانت … فهي خرجت من الرماد ولن تريد أن تستبدل وصاية بأخرى .
صمت بوتن للحظة ثم قال بحركة تأملية : كلامك يذكرني بروسيا في تسعينيات القرن الماضي حين ظن الجميع أننا انتهينا لكننا نهضنا من جديد ، قال الشرع مبتسما لعل ذلك ما يجعلنا نفهم بعضنا نحن أبناء التجارب القاسية ، تغيرت نبرة بوتن وبدأ يميل أكثر نحو الدفيء وقال : إذاً دعنا نتفق على شيء : روسيا ستبقى الى جانب سوريا لكن على سوريا أن تفتح نوافذها للعالم ، أجابه الشرع بثقة ممزوجة بالدعابة لا تقلق فتحنا النوافذ … فقط ننتظر أن يأتينا الدفؤ من الشمال ، ضحك بوتن من جديد وقال الدفيء الروسي غال يا سيادة الرئيس .
فرد الشرع وقال ونحن مستعدون للدفع مقدما شاي روسي وسلالم طويلة ، تململت الضحكات في القاعة حتى المترجم لم يتمكن من الترجمة بسبب الضحك فنظر اليه بوتن وقال مازحا : أعتقد أنك بدأت تفهم العربية من كثرة الضحك ثم أشار بيده نحو الشرع وقال : أنت مختلف لم أر من قبل قائدا يستطيع أن يمزج الطرافة بالصلابة في جملة واحدة ، رد الشرع ربما لأننا شعب تعلم أن يبتسم حتى وهو تحت الركام ، عم الصمت للحظة واحدة ثم قال بوتن بصوت هادئ جدا … إن هذا الشعب يستحق الاحترام .
ثم نهض بوتن من مقعده وقال : تعال نتمشى قليلا في الحديقة أريد أن أريك شيئا خرج الرجلان الى الباحة الخلفية للقصر كانت الحديقة مغطاة بطبقة من الثلج الخفيف ، وأشجار الصنوبر واقفة كجنود بيض في استعراض صامت ، قال بوتن وهو يمشي بخطوات بطيئة عندما استقبل ضيفا هنا أراقبه كيف يمشي على الثلج ، فبعضهم يتردد وبعضهم يمشي بخطىً واثقة ، أما أنت فلم تنظر حتى الى الأرض ابتسم الشرع وقال ربما لأنني مشيت على جليد أرق من هذا بكثير في السياسة ، أومأ بوتن برأسه وقال بهدوء أحيانا الثقة هي السلاح الوحيد الذي يجعل الآخرين يحسبون لك ألف حساب .
توقف الشرع قليلا ونظر الى تمثال لرجل روسي قديم ثم قال : في النهاية كل الحروب تنتهي بجلوس رجلين الى طاولة ، والأذكى بينهما هو من يعرف متى يمد يده ومتى يبتسم ، قال بوتن : بنبرة إعجاب واضحة أنت تفكر كضابط أكثر منك رئيس الى دولة ، فأجابه الشرع بابتسامة خفيفة ربما لأن الحرب علمتنا أن السياسة معركة أخرى لكن فيها رصاص من الكلمات …. وصلا الى نهاية الممر المغطى بالثلج حيث يقف تمثال بطرس الأكبر شامخاً ، قال بوتن وهو يشير اليه هذا الرجل بنى روسيا الحديثة رغم أنه واجه الجميع .
يقول المؤرخون : إنه كان يرى في كل ازمة فرصة … قال الشرع وهو يضع يده في جيبه وأنا أؤمن أن الأزمات هي المكان الذي يُختبر فيه القادة الحقيقيون ، فمن السهل أن تقود شعبا في السلام ولكن من الصعب أن تقنعه أن الألم هو الطريق الصعب الى المستقبل ، التفت بوتن نحوه وقال بهدوء كلامك ثقيل كالجليد لكنه صادق كالشمس ، وضحك الشرع قائلا أرجو أن لا تذوب ثقتكم بنا حين تشرق الشمس إذن ، عاد الرجلان الى القصر وكان الجو أكثر دفئا من أي وقت مضى ، وفي نهاية اللقاء صافح بوتن ضيفه وقال :
أشكرك على هذا الحديث الممتع نحن الروس نحب الصراحة لكننا نحب أكثر من يعرف كيف يمزح في وجه الصقيع ، قال الشرع وهو يهم بالمغادرة أنا تعلمت اليوم أن في موسكو دروسا من الصبر والسلالم الطويلة جزء منها … ضحك بوتن وقال للمترجم بصوت مرتفع وهو يلوح بيده في المرة القادمة سنضيف مصعداً كهربائيا احتراماً ل اللياقة السورية ورد الشرع بخفة وهو يخرج من القاعة : لا حاجة للمصد يا سيادة الرئيس فقد تعودنا أن نصعد بأنفسنا حتى ولو كان الطريق كله ثلجاً ….
وتردد صدى ضحكته في الممرات الذهبية في القصر بينما كانت الكاميرات توثق لحظة نادرة جمعت بين الجدية والظرف وبين زعيمين عرفا أن الهيبة لا تعني العبوس ، وأن السياسة لا تفقد بريقها حين تبتسم وهكذا انتهى اللقاء الذي بدأ باختبار السلالم ، وانتهى بابتسامة طويلة تشبه وعداً خفيف الظل بأن العلاقات ين دمشق وبين موسكو لن تكون بعد اليوم مجرد درجات للصعود بل طرقا مفتوحا للتفاهم ، وربما للصداقة الحقيقية …


