الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
9°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين المفاوضات المعلنة والاتفاقات الصامتة… لبنان عالق في المنطقة الرمادية

كارولين ياغي

بات واضحاً أن المفاوضات، سواء مع إيران أو مع أي طرف آخر، تُدار دائمًا على خطّين متوازيين: خطاب معلن يُقال أمام الإعلام، ومسار غير ظاهر يُنسَج بعيدًا عن الأضواء. ما يثير القلق ليس وجود هذا المسار الخفي ، بل تحوّله إلى المسار الأساس، فيما يتراجع العلني إلى واجهة شكلية. الأخطر أن مفاعيل هذه التفاهمات غير المعلنة تصيب دولًا هشّة كلبنان مباشرة، من دون أن يكون لها أي دور فعلي في صياغة القرارات التي تُتخذ بشأنها.
وعندما تتقدّم القنوات الخلفية على التصريحات الرسمية، فهذا مؤشر إلى أن التسويات تُنجَز خارج دائرة المساءلة، وأن الشعوب تُستدعى لاحقًا للتكيّف مع نتائجها أو تحمّل تبعات رفضها. لبنان، في هذا المشهد، لا يجلس إلى طاولة التفاوض، لكنه غالبًا ما يُدرَج في خانة الأكلاف.
أما مسألة السيادة في لبنان، فهي ليست نتاج لحظة راهنة ولا حكرًا على طرف أو مرحلة. منذ الاستقلال، لم يعرف البلد قرارًا وطنيًا مكتمل الشروط. كانت التدخلات العربية حاضرة باستمرار، كما لم تغب التدخلات الأجنبية، فتحوّل لبنان مبكرًا إلى ساحة مفتوحة: ساحة نفوذ، وساحة رسائل، ومسرحًا أمنيًا واستخباراتيًا لمن أراد مراقبة المنطقة عن قرب.
داخليًا، لا يقلّ المشهد تعقيدًا. تعدّدت الخطابات وتناقضت، وكل فريق يتحدث من موقع امتلاك الحقيقة المطلقة. السياسة لم تعد مساحة نقاش، بل وسيلة تعبئة وانقسام. حتى النسيج الاجتماعي لم ينجُ من هذا الاستقطاب، إذ تسلّل الخلاف السياسي إلى العلاقات العائلية والشخصية، وضيّق هامش المشترك بين اللبنانيين.
اللبناني اليوم لا ينتظر حلولًا خارقة. أقصى ما يطلبه هو فسحة أمل، ويرجو أن تنعكس أي تهدئة إقليمية على يومياته البسيطة: كهرباء مستقرة، دواء متوافر، حدّ أدنى من الأمان والكرامة.
غير أن الانتظار الطويل يتحوّل مع الوقت إلى عبء ثقيل. ومعه تتراكم الأزمات بمختلف أشكالها: اقتصادية، اجتماعية، ونفسية. في هذا السياق، يبدو تعبير “بدنا نروق” الذي ورد في إحدى أغنيات هيفا الأخيرة أبعد من مجرد عبارة فنية، ليغدو توصيفًا لحاجة عميقة إلى ترتيب الفوضى الداخلية قبل محاولة فهم ما يُحضَّر في الخارج.
في بلد شديد الحساسية كلبنان، للكلمات وزنها وخطورتها، من هنا، تتعاظم مسؤولية السياسي، والإعلامي، وكل صاحب منبر. فالكلمة قد تكون مدخلًا للتهدئة كما قد تتحول إلى أداة استفزاز، وقد تبني جسورًا أو تحفر خنادق.
لبنان يقف اليوم بين مسارات تفاوض لا يشارك فيها، وانقسامات داخلية تدار بارتباك. ربما لا يبدأ الخلاص من الاتفاقات الكبرى وحدها، بل من إعادة تنظيم الداخل: لغة أقل حدّة، إعلام أكثر توازنًا، ووعي جماعي بأن الإنقاذ لا يتحقق بالصوت العالي فقط. فالتجربة أثبتت أن من يعجز عن حماية توازنه الداخلي، يتحول سريعًا إلى بند على جداول الآخرين.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...