بات واضحاً أن المفاوضات، سواء مع إيران أو مع أي طرف آخر، تُدار دائمًا على خطّين متوازيين: خطاب معلن يُقال أمام الإعلام، ومسار غير ظاهر يُنسَج بعيدًا عن الأضواء. ما يثير القلق ليس وجود هذا المسار الخفي ، بل تحوّله إلى المسار الأساس، فيما يتراجع العلني إلى واجهة شكلية. الأخطر أن مفاعيل هذه التفاهمات غير المعلنة تصيب دولًا هشّة كلبنان مباشرة، من دون أن يكون لها أي دور فعلي في صياغة القرارات التي تُتخذ بشأنها.
وعندما تتقدّم القنوات الخلفية على التصريحات الرسمية، فهذا مؤشر إلى أن التسويات تُنجَز خارج دائرة المساءلة، وأن الشعوب تُستدعى لاحقًا للتكيّف مع نتائجها أو تحمّل تبعات رفضها. لبنان، في هذا المشهد، لا يجلس إلى طاولة التفاوض، لكنه غالبًا ما يُدرَج في خانة الأكلاف.
أما مسألة السيادة في لبنان، فهي ليست نتاج لحظة راهنة ولا حكرًا على طرف أو مرحلة. منذ الاستقلال، لم يعرف البلد قرارًا وطنيًا مكتمل الشروط. كانت التدخلات العربية حاضرة باستمرار، كما لم تغب التدخلات الأجنبية، فتحوّل لبنان مبكرًا إلى ساحة مفتوحة: ساحة نفوذ، وساحة رسائل، ومسرحًا أمنيًا واستخباراتيًا لمن أراد مراقبة المنطقة عن قرب.
داخليًا، لا يقلّ المشهد تعقيدًا. تعدّدت الخطابات وتناقضت، وكل فريق يتحدث من موقع امتلاك الحقيقة المطلقة. السياسة لم تعد مساحة نقاش، بل وسيلة تعبئة وانقسام. حتى النسيج الاجتماعي لم ينجُ من هذا الاستقطاب، إذ تسلّل الخلاف السياسي إلى العلاقات العائلية والشخصية، وضيّق هامش المشترك بين اللبنانيين.
اللبناني اليوم لا ينتظر حلولًا خارقة. أقصى ما يطلبه هو فسحة أمل، ويرجو أن تنعكس أي تهدئة إقليمية على يومياته البسيطة: كهرباء مستقرة، دواء متوافر، حدّ أدنى من الأمان والكرامة.
غير أن الانتظار الطويل يتحوّل مع الوقت إلى عبء ثقيل. ومعه تتراكم الأزمات بمختلف أشكالها: اقتصادية، اجتماعية، ونفسية. في هذا السياق، يبدو تعبير “بدنا نروق” الذي ورد في إحدى أغنيات هيفا الأخيرة أبعد من مجرد عبارة فنية، ليغدو توصيفًا لحاجة عميقة إلى ترتيب الفوضى الداخلية قبل محاولة فهم ما يُحضَّر في الخارج.
في بلد شديد الحساسية كلبنان، للكلمات وزنها وخطورتها، من هنا، تتعاظم مسؤولية السياسي، والإعلامي، وكل صاحب منبر. فالكلمة قد تكون مدخلًا للتهدئة كما قد تتحول إلى أداة استفزاز، وقد تبني جسورًا أو تحفر خنادق.
لبنان يقف اليوم بين مسارات تفاوض لا يشارك فيها، وانقسامات داخلية تدار بارتباك. ربما لا يبدأ الخلاص من الاتفاقات الكبرى وحدها، بل من إعادة تنظيم الداخل: لغة أقل حدّة، إعلام أكثر توازنًا، ووعي جماعي بأن الإنقاذ لا يتحقق بالصوت العالي فقط. فالتجربة أثبتت أن من يعجز عن حماية توازنه الداخلي، يتحول سريعًا إلى بند على جداول الآخرين.


