الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

بين بلاد الشام وواشنطن: لبنان في مهبّ الإنتظار

كارولين ياغي

قال السفير الأميركي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توماس باراك، إن لبنان يواجه “تهديداً وجودياً”، وإذا لم يتحرّك لنزع سلاح حزب الله، فقد “يعود إلى بلاد الشام”. تصريح أثار موجة من القلق والأسئلة، قبل أن يسارع صاحبه إلى التوضيح بأنه لم يكن يهدّد، بل “يشيد بالخطوات التي قطعتها سوريا”، كما قال.
لكن الواقع أن الانطباع الأوّل نادراً ما يُمحى، والتصريح، مهما تمّ ترميمه لاحقاً، لا يزال يُقرأ كرسالة مبطّنة، وربما كتنبيه صريح يُراد له أن يُسمع لا أن يُفهم فقط.
ولأن السياسة الأميركية لا تتحدّث صدفة، ولا تعبّر عن نفسها بلا حسابات دقيقة، فإن هذا الكلام، على ما فيه من التباس، لا يمكن فصله عن مناخات المنطقة. الأميركيون مرتبكون، متوتّرون، يتأرجحون بين ملفات سوريا، لبنان، العراق، وإيران. وفي هذا السياق، يبدو لبنان بالنسبة إلى واشنطن مجرّد بند في ملفّ أكبر يبدأ من طهران ولا ينتهي في غزّة.
وحين لا يأتي الجواب من بيروت بشأن سلاح حزب الله، تفتح أمام لبنان أبواب التأويل، وتلوّح بما هو أبعد من السياسة: الهوية، الكيان، وربما الحدود.
لكن، لنطرح السؤال بوضوح: إذا كانت “بلاد الشام” لم تعد موجودة، فمتى أصبحت إسرائيل “موجودة”؟ هذا النوع من المقاربات، حين يصدر عن مسؤول أميركي، لا يكشف فقط عن جهلٍ في فهم تركيبة هذه المنطقة، بل يعكس رغبة دفينة في إعادة خلط الأوراق.
وليس جديداً على باراك أن يلمّح إلى سقوط “سايكس بيكو” كمرحلة منتهية. فهل تلوّح واشنطن من خلاله بإعادة رسم خرائط المشرق؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأيّ خريطة تنتظر لبنان، الغارق في الفراغ والمراوحة؟
الفضيحة الأشدّ خطورة ليست في كلام باراك، بل في ضعف الردود اللبنانيّة عليه. فهذا المسؤول الأميركي ليس مجرّد سفير، بل هو رأس الحربة الدبلوماسية المعنية مباشرة بالمشرق العربي، وخصوصاً بلبنان وعلاقاته بكلٍّ من الحكم السوري الجديد وكيان الاحتلال.
والصمت الرسمي حيال تصريح بهذا الحجم، يعني شيئاً واحداً: أن لبنان يعيش لحظة “الأيتام على مائدة اللئام”. لا صوت ولا قرار، لا رؤية ولا دفاع عن الكيان، بل مجرد تلقٍّ سلبيّ لرسائل الخارج، ولو كانت تنذر بزوال الحدود أو سقوط الدولة.
من هنا، قد يكون من الواجب أن يبادر رئيس الجمهورية، العماد جوزف عون، إلى الدعوة لعقد مؤتمر وطني جامع يناقش ملفّ السلاح بصراحة، كما يواجه الإشاعات المتداولة عن نيات سورية بضمّ طرابلس، وهي إشاعات يجري التلويح بها بوقاحة. هذه ليست قضية وظيفة سياسية، بل مسألة بقاء وطن.
أما مجلس النواب، فعليه أن يستفيق من صمته. لا يكفي أن يتابع النواب التصريحات عبر الإعلام كأنهم مواطنون عاديون. كيف يُناقش الموقف اللبناني من كلام خطير كهذا من دون تشاور مع الحكومة؟ وكيف تبقى الحكومة نفسها عاجزة حتى عن إصدار بيان؟
الحقيقة الوحيدة أنّ لبنان يعيش ركوداً شبه كاملاً، اقتصادياً، سياسياً، ودبلوماسياً. وإذا لم تُحلّ عقدة إيران، أو بالأحرى إذا لم تُفكّك ألغام المنطقة، فإن لبنان سيبقى واقفاً على الحافة: لا يتحرك، لا يسقط، لكنه ينزف ببطء.
صحيح أن هناك مؤشرات خجولة إلى إمكان التوصل إلى اتفاق في غزّة. وإذا حصل ذلك، فمن الصعب على لبنان أن يبقى خارج المشهد. كلّ تسوية في الإقليم سيكون لها ارتداد على الداخل اللبناني، سواء شاء المسؤولون أو لا.
لكن، لا تسوية تصمد من دون موقف لبناني واضح، موحّد، وفاعل. والغموض في القرار لا يردّ الضغوط، بل يستدرجها.
والصمت في مثل هذه اللحظة، ليس حكمة، بل على الأقل، انتحاراً بطيئاً على عتبة خريطة جديدة لا مكان لنا فيها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...