في لحظةٍ إقليمية مثقلة بالسيناريوهات ، ومع تزايد الحديث عن ضربةٍ قد تستهدف إيران، يتابع اللبناني المشهد بقلقين متوازيين: قلقٌ من حربٍ قد لا يكون شريكاً مباشراً فيها، وقلقٌ أشدّ من معركته اليومية لتأمين أبسط مقومات العيش. هنا، لا يحتاج الناس إلى صاروخٍ بعبر الحدود ليشعروا بالانفجار؛ يكفي قرارٌ مالي مفاجئ، أو فاتورةٌ ترتفع بلا إنذار، أو تسعيرةٌ تتبدّل بين ساعةٍ وأخرى. ضربةٌ فوق القدرة، وأخرى في صميم الراتب.
لبنان الذي تحوّل طويلًا إلى منصةٍ لتقاطع الحسابات الإقليمية والدولية، يقف في عام 2026 أمام معادلة قاسية: احتواء المخاطر بدل إنتاج المعالجات. استقرارٌ أمني قابل للاهتزاز، تهدئة سياسية مشروطة بحسابات الخارج، واقتصادٌ يستجمع قواه عقب تراجعٍ حادّ، كمن يخطو بخطواتٍ مترددة. لا بوادر لانفراجٍ كبير، ولا انهيار شامل جديد؛ بل تعافٍ بطيء لا يلمسه المواطن في تفاصيل يومه.
في الداخل، تستمر منظومة المحاصصة كأنها قانون غير مكتوب. الخلافات لا تُحلّ، بل تُرحَّل. الملفات الحساسة، من السلاح إلى ترسيم الحدود، تُجمَّد بانتظار تسوياتٍ أوسع على مستوى الإقليم. أما الموازنة، فترتكز إلى المورد الأسهل: الجباية والضرائب غير المباشرة. يدفع المواطن الكلفة مرتين؛ مرةً تحت وطأة الضرائب، ومرّةً أخرى حين ينهش الغلاء ما تبقّى من مدخوله. ومع كل حديثٍ عن موجة ارتفاع جديدة أو انخفاض إضافي في قيمة العملة، تتقلّص الطبقة الوسطى في صمتٍ ثقيل.
في خضمّ هذا المشهد، تعود الحياة السياسية لتستحضر أسماءً مألوفة. عودة سعد الحريري إلى الواجهة، وسط حديثٍ عن دعمٍ إقليمي لحملته الانتخابية، تعيد ترتيب الأوراق داخل الساحة السنية وعلى المستوى الوطني. عودةٌ يصعب فصلها عن تبدّل المزاج الإقليمي، وعن رغبة بعض العواصم في إعادة ضبط التوازنات اللبنانية. غير أن السؤال الشعبي يبقى بسيطاً: هل تنعكس هذه العودة على كلفة الخبز، وساعات الكهرباء، وسعر الدواء؟
اللبناني الذي استنزفته الأزمات لم يعد ينجذب إلى الخطابات الرنانة. مطالبه مباشرة: استقرارٌ في سعر الصرف، نظامٌ ضريبي أكثر إنصافاً، خدماتٌ عامة لا تُسعَّر بالدولار النقدي، ودولةٌ تنتقل من ردّ الفعل إلى التخطيط. لكن المؤشرات حتى اللحظة توحي بأن عام 2026 سيكون عام إدارة التوازنات الدقيقة، لا عام كسر الحلقة المقفلة.
قد تقع الضربة على إيران، وقد لا تقع. إلا أن المؤكد أن الضربات اليومية الصغيرة التي يتلقاها اللبناني في معيشته أقسى أثراً من أي تطورٍ إقليمي بعيد. بين هاجس الخارج ووجع الداخل، يعيش الناس في مساحة انتظارٍ مفتوحة: انتظار تسويةٍ ما، أو انفراجةٍ غير متوقعة، أو ربما هدنة قصيرة مع الغلاء.
في لبنان، لا تهبط الأزمات دفعةً واحدة؛ بل تتسلل عبر قراراتٍ متفرقة، خلافاتٍ مؤجلة، ووعودٍ قصيرة الأجل. وبين كل صدمةٍ وأخرى، يتمسّك اللبناني بخيط رجاءٍ دقيق، يدرك هشاشته، لكنه يصرّ على ألا يفلته.


