السبت، 7 مارس 2026
بيروت
13°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

خطابُ القوّة المُستعلِية… ورسالةُ التهديدِ إلى لبنا

من داخلِ قاعةِ الكنيست الإسرائيلي، تكلّمَ دونالد ترامب اليوم بلهجةٍ المُنتصِر، فيما كانت الضحكاتُ تعلو وجوهَ الحاضرين، والتصفيقُ يملأُ المكان، وكأنَّهم يُصفّقون لا لخطابٍ سياسيّ، بل لبيانِ تفوّقٍ يُكرِّسُ “إسرائيلَ” مركزًا للهيمنةِ في الشرقِ الأوسط.
ابتسمَ ترامب وتحدّث عن «سلامٍ يُبنى على القوّة»، وعن «شرقٍ أوسطٍ جديدٍ» و«فرصةٍ تاريخيّةٍ لمرحلةٍ ما بعد الحرب». لكنّ كلماته لم تكن رسائلَ سلامٍ، بل رسائلَ إخضاعٍ مغلَّفةٍ بالمديح، تُوجَّهُ إلى كلّ عاصمةٍ في المنطقة، وعلى رأسِها بيروت.
في السياسة، لا يُضحكُ الإسرائيليون عبثًا، ولا يُصفّقون إلاّ حين يشعرون أنّ واشنطن تتحدّث بلغتهم. واللغةُ التي تحدّثَ بها ترامب اليوم هي ذاتها لغةُ القوة التي تُشرعنُ الاحتلال وتُصوّرُ التدميرَ انتصارًا حضاريًّا.
فحين أعلن أنّ «الحرب انتهت» وأنّ «زمن الانتصارات الإسرائيلية بدأ»، لم يكن يُعلن نهايةَ حرب، بل بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ من الفرضِ السياسيّ، تُرادُ أن تكون على حسابِ الآخرين: الفلسطينيّين، السوريّين، واللبنانيّين على حدٍّ سواء.
لم يكن طلبُ ترامب من الرئيس اللبناني “سحبَ سلاح الحزب” تفصيلاً عرضيًّا.إنّه الجوهر الحقيقيّ للخطاب، ومفادُه أنّ زمنَ “الازدواج” بين الدولة والمقاومة يجب أن ينتهي، وأنّ واشنطن وتل أبيب ستتعاملان مع لبنان وفقَ معيارٍ واحد…إمّا دولةٌ تُنَفِّذُ، أو دولةٌ تُعاقَب.
بهذه البساطة يريدون تحويلَ المقاومة من درعٍ وطنيٍّ إلى عبءٍ سياسيّ، ومن عنوانِ حمايةٍ إلى مادّةِ تفاوضٍ على السيادة.إنّهم يُعيدون إنتاجَ معادلةٍ قديمةٍ: «سلِّموا السلاحَ لنحميكم»، بينما التجربةُ تُثبتُ أن من سلّمَ سلاحَهُ سُلِبَ أمنَهُ وقرارهُ في آنٍ واحد.
خلفيّة الاستعلاء الأميركيّ كالعادة فهذا الخطاب ليس مبادرةَ سلامٍ، بل وثيقةُ وصايةٍ جديدةٍ على المنطقة.
ترامب، في عودته المدوية إلى المشهد، أراد أن يُذكّر العالم بأنّ الشرق الأوسط لا يتحرّك إلّا بإشارةٍ من واشنطن، وأنّ “إسرائيل” هي الذراعُ التنفيذيةُ لمشروع “السلام بالقوّة”.
ضحكُ النواب الإسرائيليين وتصفيقُهم كان إعلانًا ضمنيًّا أنّ “النصرَ السياسيّ” قد تحقّق، وأنّ زمنَ التوازنِ قد انتهى، ليبدأ زمنُ الإملاء.
لبنان في عين العاصفة، لكن ليعلموا ان لبنان ليس دولةً صغيرةً في هذا السياق كما يظنّون.
فهذا الوطن الذي احترقَ مرارًا ووقفَ من رماده، يملكُ ما لا تملكُهُ “إسرائيلُ” نفسها..إرادةُ الصمود، وسلاحُ المقاومة ليس بندقيّةً على كتف، بل ذاكرةُ أمةٍ رفضت أن تُستباح.
من يطلبُ من لبنان أن يتخلّى عن سلاحِه، يطلبُ منه أن يخلعَ جلدَه، أن يتنازلَ عن آخر عناصرِ توازنه، وأن يقبلَ بأن يعيشَ تحت رحمةِ عدوٍّ لا يعرفُ الرحمة.
خطابُ ترامب اليوم هو تدشينٌ لمرحلةِ ما بعد الحرب على غزة ولبنان، تُرادُ فيها إعادةُ توزيعِ القوى وطمسُ معالمِ الانتصاراتِ المعنويّةِ التي حقّقها محورُ المقاومة.
لكنّ ما غابَ عن ذهنِ الأميركيّ أنّ الشعوبَ التي صمدت تحت النار لا تُروَّضُ بالتصفيق ولا تُخدَعُ بابتساماتٍ في الكنيست.
لبنان لن يُسلّم سلاحَه، لأنّه لم يستعِره من أحد.
ولن يخضعَ لوصايةٍ، لأنّ من عاشَ على حافةِ الموت، لم يَعُد يخافُ من التهديد.
فليضحكوا ما شاؤوا، وليُصفِّقوا لأنفسهم،
أما نحن، فسنكتبُ التاريخَ كما كتبناه من قبل..بدمٍ يَحمي الكرامة، لا بتصفيقٍ يُبرّرُ الاحتلال.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...

معركة المضائق والممرات البحرية… معركة السيطرة على شرايين قلب العالم

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يبدو مجرد حرب عابرة أو جولة صراع تقليدية، بل يشبه زلزالاً جيوسياسياً قد يعيد رسم الخرائط وحدود النفوذ في المنطقة. فالحشود العسكرية الأميركية...

بيروت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة

لم تكن بيروت مهيأة لما حدث. ففي غضون ساعات قليلة فقط، فرض الاعتداء الصهيوني على لبنان واقعاً إنسانياً جديداً، مع موجات نزوح كبيرة تدفقت نحو العاصمة بحثاً عن الأمان. مدينة تعاني...