قال روزبهار :” هذا خطأ ، برمك وأبناؤه صانعوا الخليفة .. واعتنقوا دينهم لكي يتمكنوا من النفوذ في أفكارهم وأعمالهم ويضعفوا دينهم ، ويقضوا عليه رويداً رويداً ويعيدوا بناء معبد نوبهار من جديد ، ليدعوا الناس الى البوذية ويطيحوا بالخليفة ، من أجل ذلك اجتهدوا ليحوزوا ثقة العرب وقد بلغوا مقصدهم في ذلك ، الخلفاء العرب كلهم كانوا أداة في يد البرامكة كدمى مسرح العرائس ، لكل ما يتعلق بنظام البلاد .
وإذا اعتبر العرب أنفسهم غير محتاجين الى عون البرامكة فهم مخطئون لأنهم في أي لحظة يعتزلون العمل سيختل نظام البلاد وإن حصلت للعرب مساعدتنا المالية والمعنوية ، فكان ذلك من أجل أن يصلوا الى غاياتنا نحن … ماذا يريد العرب ؟ حفنة من الذهب والفضة وحرملك مكتظ بالجواري فهذا منتهى آمالهم وأصلاً حروب العرب كانت من أجل هذا ، وقد جهّز لهم ذلك فردوسهم الموعود ، إذن حتى الآن سارت خطة البرامكة كما يرجو منها ، والآن لم يتأخر الوقت بعد إذ علينا أن نواصل نتيجة كفاحنا ألا وهو استئصال شأفة العرب واستقلال إيران .
برزان : ” كتب الفضل البرمكي بنفسه في رسالته الأخيرة أن احذروا وخالطوا العرب قليلاً قدر الإمكان ، ولا تفسحوا لهم طريقاً إليكم خاصةً أن أملي كله متعلق بخراسان ، حيث أن نفوذنا أكبر هناك وتقع بعيداً عن مقر الخلافة ، وما يجب فعله من خراسان وحتى حدود بلخ ، هو أن يثوروا على الخليفة فيحتار في أمره ويعجز عن حل المشكلة ويجبروه على إرسال واحد منا الى خراسان ، لقمع أهلها .. حين ذلك نُحرّض جيش الخليفة عليه ، ونقضي على العرب أجمعين ونستقل بخراسان .
فإذا وقع أي تهاون في هذا العمل فسوف يضيع وجودنا كلنا في مهب الريح ، وما عليكم إلا أن تنتظروا رسالتي ، لأن الوضع ما زال غير معلوم ولا أستطيع أن أكتب قراري الحاسم .
قال أزاد بخت لكشواد : ” هل تثق في جيشك ثقة عمياء وتؤكد أنهم سينفذون الأوامر في حينها ؟ .
كشواد : ” اطمئن من هذه الجهة ، بإشارة واحدة سيثور قادة الجند على الخليفة ، ويعملون الذبح في عرب خراسان .. ولكني فقط أنتظر مجيئ فيروز رسول الفضل .
آزاد بخت :” في هذه الحالة يجب أن يتم الأمر قبل أن يعود عيسى بن ماهان ” .
روزبهان :” بل قبل أن يأمر هارون بقتل البرامكة جميعاً ! ”
أزاد بخت :” وإن وصل أمر الخليفة قبل الرسالة ؟! .
برزان :” هذا أمر غير ممكن فدوماً ما تصل أخبارنا قبل يومين من مبعوث الخليفة .. لأن أفضل بريد هو بريد البرامكة ”
كانت مدينة طوس غارقة في الصمت والظلام بمساجدها وحدائقها وقصورها ، فقط يكسر هذا الصمت تدريجياً نغمة بعيدة لجرس الإبل وصوت الحادي ، وكان النسيم العليل اللطيف بنثر في الهواء رائحة زهور السنط وكانت ثمة رسوم حول بدن الجدران لبوذا والملائكة والخدم ، ورسمت لوحات تروي ” حياة بوذا ” مثل لقاء بوذا مع خطيبته كوبا ولقائه مع شحاذ ومع زاهد ومع ميت …
كان روزبهان البرمكي وعائلته كلهم بوذيون ، جده برمك بن جاماسب من عائلة إيرانية كبيرة وفي عهد الأشكانيين تولوا حراسة معبد نوبهار البوذي في بلخ كابراً عن كابر ، وروزبهان هو حفيد حسن أخي خالد البرمكي وأمه أخت ملك الجغانيين المجوسي ، ويعتبر معبد نوبهار أو “نوو وهارة ” الذي يعني المعبد الجديد بالسنسكريتية ، ويسمى بالفارسية نوبهار أحد أعظم المعابد البوذية ، حيث زاره المؤمنون من الصين والهند وحتى أكثر ملوك خراسان في العهد الساساني ركعوا أمام صنم بوذا العظيم ولثموا يد الكاهن هناك .
وفي عام 42هجرية أمر عبد الله بن عمر القرشي قيس بن حيطان الأسلمي ، وبعثه ليفتح مدينة بلخ ويهدم معبد نوبهار فاستولوا على ثرواته وخلعوا أبوابه الحديدية الثلاثة وباباً فضياً كان هناك ، دخل البرامكة في الإسلام ظاهراً ، لكنهم تمسكوا بدينهم القديم في الباطن ، وفي فترة سلطتهم رمموا المعبد البوذي ثانيةً الذي عُرف فيما بعد ببيت النار ، ولو أن البرامكة داهنوا العرب في الظاهر لكنهم تآمروا على الخلفاء العرب في الخفاء .
وانتظروا الوقت الملائم ليخرجوا إيران من حوزة العرب ، وشيئاً فشيئاً وجدوا نفوذاً بحيث كانوا يديرون الأعمال الرئيسية في الجيش البلاد ، ومع أن هارون الرشيد كان قد كلف روزبهان بمهام جسام عدة مرات إلا أنه تخلى عنها ، كان يقضي نهاره كله مشغولاً بالعمل والتقدم لكنه كل ليلة وفي ساعة معينة كان يترك كل أعماله ويذهب الى قصره تحت الأرض ، لكنه عندما يخرج منه في الصباح كان يمارس حياته المضطربة ويقوم بأعمال شاقة ، وحيث أنه كان موضع ثقة يحيى البرمكي والفضل وموسى ومحمد البرمكي تولى تنفيذ خطتهم لاستقلال خراسان حتى بلخ وباميان وحتى مشارف العراق ليحققها وكان روزبهان مدبراً عالماً ومتصلاً بأساتذة وفقهاء وشعراء وعلماء البراهمة والبوذيين والزرادشتيين والمزدكيين والنصارى .
وقبل أن تتم خطة روزبهان في تلك الليلة التي وافقت الثالث عشر من صفر عام 187 وصل مبعوث الخليفة وهو يحمل حكماً بإعدام كافة البرامكة وفي هذه الليلة ذُبح ألف ومائتا شخص من البرامكة وأقاربهم والغلمان الموالين لهم وكان روزبهان متربعاً على المرتبة في مكانه وبجواره ابريق خمر وفي يده اليسرى رسالة عليها ختم الفضل بن يحيى البرمكي ومكتوب فيها الأمر باستئصال شأفة العرب والاستقلال بخراسان .


