السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
29°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

زياد الرحباني… حين يصمت الصوت الذي صرخ نيابة عنّا

كارولين ياغي

بالأمس، رحل زياد الرحباني.
جملةٌ قصيرة، قاسية، تُقال بخفّة، لكن وقعها يثقل الروح. ليست مجرد خسارة فنية، بل غياب جزء من وجداننا اللبناني، من تلك الزاوية التي كنا نطلّ منها على الحياة بسخرية مرة، وعلى الوطن بجرأة مشوبة بالحنين.
زياد لم يكن مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي أو فنان شامل. كان نَفَساً آخر في هذا البلد، صوتًا مشاكساً لا ينكسر، أزعج السلطة، وأربك المعارضات، وغنّى للحب كما غنّى للحرب والفساد والخوف والانكسار… وكل ذلك بنبرة لا تشبه أحدًا، ولا يريد أن يشبهه أحد.
منذ بداياته، وهو يتمرّد على الصيغة، على “الذوق العام”، على ما يُفترض أن يُقال.
لم يكن مهذّبًا كما يريد المجتمع، ولا محايدًا كما تطلب الأنظمة. كان ابن المسرح اللبناني الجريء، وسليل مدرسة الرحابنة، لكنه اختار أن يصنع لغته الخاصة، المعجونة بهموم الناس، بنكتة الشارع، بغضب المهمّشين، وبسؤال الهوية الذي لم يجد له جوابًا شافياً في بلد يغيّر جلده ولا يغيّر حقيقته.
وكان المسرح ملعبه الأوسع.
من “بالنسبة لبكرا شو؟” إلى “فيلم أميركي طويل” و”شي فاشل” و”لولا فسحة الأمل”، كتب زياد مسرحاً ينبض بالحياة اليومية، مسرحاً من الناس وإليهم. لا خطاباً فخماً، ولا زخرفة لغوية، بل كلاماً يُحكى في البيوت والمقاهي، كلاماً يُضحكنا ويُبكينا لأنّه ببساطة حقيقي. كانت خشبته مساحة للمواجهة، للتهكم، للبوح، وكان جمهوره يذهب ليستمع ليس فقط إلى قصة، بل إلى مرآة لذاته، وإلى من يقول ما لا يجرؤ هو على قوله.
لم يكن زياد فنّاناً لبنانياً فقط، بل صوتاً عربياً حرّاً.حمل فلسطين في وجدانه، ليس كقضية سياسية، بل كأرض تُقاوم، وشعب يُعاني، وكرامة تُسحق أمام مرأى العالم. لم يتاجر بالقضية، بل بكى لأجلها، غنّى لها، وانتقد صمتنا الجماعي حيالها. كانت فلسطين عنده جزءاً من معنى العدالة، من اختبار الضمير، من جوهر المعركة بين الفن الحقيقي والزيف الرسمي.
في زمن كانت فيه الكلمات تُنتقى بعناية خوفًا من الرقابة، كان زياد يقول ما لا يُقال. يضع الموسيقى في خدمة النص، والنص في خدمة الموقف، والموقف في خدمة الناس. لم يكن يطلب إعجاباً، بل كان يطلب وعياً.
وكان يعرف حجم هذا العبء.
وها نحن اليوم نودّعه، ولا نعرف كيف. كيف يُرثى من كان يرثينا في كل نصّ؟ كيف نبكي من كان يسخر حتى من موتِه لو كتبه على المسرح؟ كيف نعيش في لبنان بلا “زياد”، بلا صوته الأجش، بلا حواراته الذكية، بلا بيانو يشكّل خلفيةً لحقيقة موجعة؟
ربما كانت أعماله ستظلّ حيّة، هذا ما يُقال دائمًا عند رحيل الكبار. لكن الحقيقة أن حضور زياد لم يكن فقط في أرشيفه، بل في لحظته. في تعليق على حدث، في حوار إذاعي، في جملة عابرة يقولها فتفجّر الضحك والتفكير في آن. كان حاضرًا في وعينا، حتى حين انسحب عن الأضواء، حتى حين صمت.
برحيله، خسر لبنان أحد آخر أعمدة الصوت النقدي، الصوت الصادق، الصوت الذي لم يساوم. خسرناه في زمن نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى من يعبّر عنّا، لا بل يوقظنا من سباتنا الطويل.

لكن زياد لا يُختصر بنعوة، ولا تُطوى صفحته بسهولة. سيظلّ بيننا، ليس فقط كأرشيف، بل كعلامة فارقة، كأمل بأن الفن يمكن أن يكون مقاومة، وأن الموسيقى يمكن أن تكون موقفاً، وأن الكلمة حين تكون صادقة، تعيش أكثر من أصحابها.

سلام على زياد،
وعلى لبنان الذي لا يزال يبحث عن صوته.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...