الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
24°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

زياد الرحباني… حين يصمت الصوت الذي صرخ نيابة عنّا

كارولين ياغي

بالأمس، رحل زياد الرحباني.
جملةٌ قصيرة، قاسية، تُقال بخفّة، لكن وقعها يثقل الروح. ليست مجرد خسارة فنية، بل غياب جزء من وجداننا اللبناني، من تلك الزاوية التي كنا نطلّ منها على الحياة بسخرية مرة، وعلى الوطن بجرأة مشوبة بالحنين.
زياد لم يكن مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي أو فنان شامل. كان نَفَساً آخر في هذا البلد، صوتًا مشاكساً لا ينكسر، أزعج السلطة، وأربك المعارضات، وغنّى للحب كما غنّى للحرب والفساد والخوف والانكسار… وكل ذلك بنبرة لا تشبه أحدًا، ولا يريد أن يشبهه أحد.
منذ بداياته، وهو يتمرّد على الصيغة، على “الذوق العام”، على ما يُفترض أن يُقال.
لم يكن مهذّبًا كما يريد المجتمع، ولا محايدًا كما تطلب الأنظمة. كان ابن المسرح اللبناني الجريء، وسليل مدرسة الرحابنة، لكنه اختار أن يصنع لغته الخاصة، المعجونة بهموم الناس، بنكتة الشارع، بغضب المهمّشين، وبسؤال الهوية الذي لم يجد له جوابًا شافياً في بلد يغيّر جلده ولا يغيّر حقيقته.
وكان المسرح ملعبه الأوسع.
من “بالنسبة لبكرا شو؟” إلى “فيلم أميركي طويل” و”شي فاشل” و”لولا فسحة الأمل”، كتب زياد مسرحاً ينبض بالحياة اليومية، مسرحاً من الناس وإليهم. لا خطاباً فخماً، ولا زخرفة لغوية، بل كلاماً يُحكى في البيوت والمقاهي، كلاماً يُضحكنا ويُبكينا لأنّه ببساطة حقيقي. كانت خشبته مساحة للمواجهة، للتهكم، للبوح، وكان جمهوره يذهب ليستمع ليس فقط إلى قصة، بل إلى مرآة لذاته، وإلى من يقول ما لا يجرؤ هو على قوله.
لم يكن زياد فنّاناً لبنانياً فقط، بل صوتاً عربياً حرّاً.حمل فلسطين في وجدانه، ليس كقضية سياسية، بل كأرض تُقاوم، وشعب يُعاني، وكرامة تُسحق أمام مرأى العالم. لم يتاجر بالقضية، بل بكى لأجلها، غنّى لها، وانتقد صمتنا الجماعي حيالها. كانت فلسطين عنده جزءاً من معنى العدالة، من اختبار الضمير، من جوهر المعركة بين الفن الحقيقي والزيف الرسمي.
في زمن كانت فيه الكلمات تُنتقى بعناية خوفًا من الرقابة، كان زياد يقول ما لا يُقال. يضع الموسيقى في خدمة النص، والنص في خدمة الموقف، والموقف في خدمة الناس. لم يكن يطلب إعجاباً، بل كان يطلب وعياً.
وكان يعرف حجم هذا العبء.
وها نحن اليوم نودّعه، ولا نعرف كيف. كيف يُرثى من كان يرثينا في كل نصّ؟ كيف نبكي من كان يسخر حتى من موتِه لو كتبه على المسرح؟ كيف نعيش في لبنان بلا “زياد”، بلا صوته الأجش، بلا حواراته الذكية، بلا بيانو يشكّل خلفيةً لحقيقة موجعة؟
ربما كانت أعماله ستظلّ حيّة، هذا ما يُقال دائمًا عند رحيل الكبار. لكن الحقيقة أن حضور زياد لم يكن فقط في أرشيفه، بل في لحظته. في تعليق على حدث، في حوار إذاعي، في جملة عابرة يقولها فتفجّر الضحك والتفكير في آن. كان حاضرًا في وعينا، حتى حين انسحب عن الأضواء، حتى حين صمت.
برحيله، خسر لبنان أحد آخر أعمدة الصوت النقدي، الصوت الصادق، الصوت الذي لم يساوم. خسرناه في زمن نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى من يعبّر عنّا، لا بل يوقظنا من سباتنا الطويل.

لكن زياد لا يُختصر بنعوة، ولا تُطوى صفحته بسهولة. سيظلّ بيننا، ليس فقط كأرشيف، بل كعلامة فارقة، كأمل بأن الفن يمكن أن يكون مقاومة، وأن الموسيقى يمكن أن تكون موقفاً، وأن الكلمة حين تكون صادقة، تعيش أكثر من أصحابها.

سلام على زياد،
وعلى لبنان الذي لا يزال يبحث عن صوته.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...