الجمعة، 8 مايو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

سورية بين مطرقة السلم الأهلي وسندان الفوضى

ليلى قدسي

في خضم الحديث عن عودة سورية إلى “الوطن الواحد” وما شهدته البلاد من فوضى وانهيار بعد سقوط الأسد، يظل السؤال قائماً: هل هذا الحكم يرعى فعلاً عصابات مسلحة تهيمن على الأرض، أم أنه يسعى ليُثبت نفسه كحاكم دولة ذات سيادة؟ في هذا السياق، ومع محاولات السلطة الجديدة ترسيخ وجودها كدولة مركزية، يصبح ملف السلم الأهلي أحد الملفات المفروضة على الطاولة، وشرطاً لا بد منه لاستعادة الاستقرار وبناء مستقبل وطني مستدام .

السلم الأهلي في سورية ، على الرغم من أهميته القصوى، يقف اليوم بين سندان الاستقطاب السياسي والميليشيات المسلحة، ومطرقة غياب العدالة الانتقالية والمساءلة الحقيقية. هذا الواقع يطرح تساؤلات كبيرة حول جدوى الخطوات الحكومية الرسمية، واللجان التي شكلت للغرض ذاته، وسط غياب شبه تام للمشاركة الفعلية للنساء والمجتمع المدني، وتزايد المخاوف من أن تكون هذه المبادرات مجرد واجهة سياسية تغطي على استمرار الانتهاكات والفساد .

اللجنة … وغياب العدالة

تشكل لجنة السلم الأهلي خطوة رسمية ضمن مساعي الحكومة السورية لاحتواء الانقسامات الداخلية، غير أن اختيار شخصيات مثيرة للجدل مثل فادي صقر أثار مخاوف واسعة حول مصداقية اللجنة وقدرتها على تحقيق العدالة والشفافية المطلوبة .( صقر هو قائد ميليشيا صقور الصحراء التابعة للأسد )

في هذا الإطار، ترى الصحافية والناشطة براء صليبي :”أن وجود مثل هذه الشخصيات في اللجنة هو أمر مرفوض، معتبرة أن ذلك يشكل “صفعة على وجه العدالة”، وأن السلم الأهلي لا يمكن أن يُبنى على حساب معاناة الضحايا الذين ينتظرون محاسبة حقيقية. براء تؤكد أن العدالة الانتقالية تتطلب نزاهة وشفافية في اختيار القائمين على هذه العملية، وإلا فإنها ستفقد مصداقيتها وتزيد من الاستقطاب والانقسام .

بدورها، تشير الإعلامية أحلام طبرة إلى أن السلم الأهلي لن يتحقق إلا عبر محاسبة الجناة واعترافهم الحقيقي بالجرائم المرتكبة. في اتصال هاتفي معها، تحدثت أحلام عن لقاءاتها مع عائلات ضحايا مجازر الساحل السوري، مؤكدة أن رغبة هذه العائلات في المسامحة مشروطة بمحاكمة عادلة واعتراف صادق، وأن غياب هذه الشروط سيجعل أي مسار نحو السلام هشًا وغير مستدام .

إقصاء النساء: السلم الناقص
في العملية السياسية لبناء السلم الأهلي، يُلاحظ إقصاء النساء من مواقع صنع القرار، رغم أنهن يشكلن جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي السوري ولهن تجارب فريدة تؤهلهن للمساهمة في جهود المصالحة .

تشدد براء صليبي على أهمية تمثيل النساء بفعالية داخل لجان السلام، معتبرة أن غيابهن يُعد إنكارًا صارخًا لدورهن الأساسي، حيث تقول:
“النساء لسن مجرد ضحايا، بل هن فاعلات أساسيات في بناء الثقة والسلام. استبعادهن يعكس عقلية ذكورية لن تؤدي إلا إلى حلول منقوصة وسلام هش” .

من جانبها، توضح أحلام طبرة أن مشاركة النساء تضمن بعدًا إنسانيًا وعاطفيًا حيويًا للعملية، مشيرة إلى ضرورة أن تتسم آليات المشاركة بالشفافية والاحترام لضمان تمثيل أصواتهن بشكل فعلي، مضيفة:
“النساء يحملن قصصًا وتجارب مغايرة، ويجب أن يكون لهن دور فاعل لا شكلاني في تحقيق السلام” .

سلم بلا مساءلة؟
السلم الأهلي الحقيقي لا يمكن تحقيقه دون إرساء العدالة الانتقالية التي تشمل مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم قانونياً. لكن الواقع السوري يُظهر غياباً واضحاً لهذه المحاسبة، مع بقاء أسماء كثيرة معروفة لم يتم اتخاذ أي إجراءات ضدها .

في هذا السياق، توضح براء صليبي أن التهاون في محاسبة هؤلاء المسؤولين يُعد تواطؤاً ضاراً بالمجتمع السوري، حيث تقول:
“عدم مساءلة المجرمين الذين ارتكبوا انتهاكات ضد الشعب هو صفعة للعدالة ويمثل خطراً كبيراً على أي مسار نحو السلم الأهلي” .

أما أحلام طبرة فتشير إلى أن تجاهل العدالة الانتقالية يقوض مصداقية جهود المصالحة، مؤكدة على أهمية الاعتراف بالخطأ والالتزام بمحاسبة الجناة لضمان سلام دائم، وتضيف:
“بدون مساءلة حقيقية، أي سلام سيكون هشاً وزائفاً، ولن يكون مقبولاً من قبل الضحايا أو المجتمع” .

لجنة تقصي الحقائق: ثغرات لا تُخفيها المسميات
رغم أن تشكيل لجنة تقصي الحقائق المعنية بجرائم الساحل السوري قد يبدو خطوة نحو تحقيق العدالة، إلا أن الكثير من المراقبين يرون أنها تعاني من نقص كبير في الشفافية والحياد، ما يثير الشكوك حول جدواها .

براء صليبي تعتبر أن اللجنة تفتقد للاستقلالية، وتشكك في قدرتها على كشف الحقائق كاملة، معتبرة أن غياب آليات واضحة للمساءلة يجعل عملها محدود التأثير، حيث تقول:
“في ظل سيطرة جهة واحدة على السردية، يصعب على اللجنة العمل بحرية. غياب الشفافية يثير القلق حول نوايا تشكيلها” .

أما أحلام طبرة فتلفت الانتباه إلى ضرورة توفير بيئة آمنة للنساء الناجيات ليتمكن من الإدلاء بشهاداتهن دون خوف أو ضغط، مؤكدة أن غياب مثل هذه الضمانات يقلل من فعالية اللجنة، وتضيف:
“النساء ضحايا إضافيات في النزاع، ويجب حماية حقوقهن وتوفير دعم حقيقي لقصصهن لكي تكون اللجنة قادرة على تحقيق العدالة” .

قمع التعبير الفني … وتفخيخ المصالحة
يمثل الضغط المتزايد على الفنانين وقمع حرية التعبير عقبة حقيقية أمام تحقيق السلم الأهلي، إذ يلعب الفنانون دورًا محوريًا في بناء الوعي وتعزيز الحوار الوطني .

تُشير براء صليبي إلى أن تحوّل نقابة الفنانين إلى أداة لضبط المواقف السياسية يضعف استقلالية العمل الفني ويقوّض دور النقابة في حماية حقوق الفنانين، وتقول:
“النقابة يجب أن تكون بيتًا يحمي الفنانين، لا شرطيًا يصفّي الحسابات السياسية” .

من جهته، يؤكد الممثل السوري شادي قاسم في حوار بأروقة بيروت أن السلطة الجديدة ما تزال غير قادرة على أن تكون موضوعية، و”عندما تقترب من الموضوعية، يتهيج الشارع المناصر لها”، مما يجعلها تبدو عاجزة عن تهدئته. ويضيف:
“قمع الأصوات الحرة داخل الوسط الفني ليس فقط اعتداء على حرية التعبير، بل يُعيق مسار السلم الأهلي ويعقّد جهود المصالحة” .

الجنسية والتمييز: ازدواجية القانون
تمثل مسألة منح الجنسية السورية للمقاتلين الأجانب، مقابل العراقيل التي تواجه النساء السوريات في منح الجنسية لأطفالهن، مثالًا صارخًا على ازدواجية المعايير التي تقوض مفهوم المواطنة المتساوية .

تعتبر براء صليبي أن هذه السياسة تعكس تمييزًا قانونيًا وجندريًا واضحًا، مشددة على أن:
“منح الجنسية بسهولة لمن لهم سجلات مرتبطة بالتطرف، بينما تُحرم نساء سوريات من حق منح الجنسية لأطفالهن، هو ظلم صارخ يقوض أي جهود لتحقيق السلم الأهلي” .

بدورها، تؤكد أحلام طبرة أن العدالة لن تتحقق إلا من خلال مساواة الجميع في الحقوق، معتبرة أن:
“حقوق المرأة في منح الجنسية اختبار جوهري لمدى جدية الدولة في بناء سلام شامل ومستدام” .

صوت الغضب … في مواجهة الواقعية السياسية
يعبّر العديد من الصحافيين والناشطين عن غضبهم من سياسات السلطة التي يرونها انتقائية وغير عادلة في تطبيق القانون، ما يزيد من صعوبة تحقيق السلم الأهلي .

يرى الصحافي محمد قنبري “أن التعامل الرسمي مع دماء ضحايا الثورة لا يحترم التضحيات، مؤكدًا أن:
“السلم الأهلي لا يمكن أن يُبنى من دون محاسبة فعلية للمجرمين المعروفين، والإفلات من العقاب يشكل تواطؤًا مع المجرمين” .

بينما يصف الصحافي زيد العظم العدالة التي ينتهجها النظام السوري بأنها “انتقائية “وقد تتحول إلى انتقامية!!، ويقول:
“الحكومة لا تحترم دماء الثورة، وعدالتها الانتقالية غير موجودة، وهذا يهدد أي فرصة حقيقية للسلم الأهلي” .

الصحافي رودي حسو حول ما حصل في الساحل السوري 7 آذار 2025،فيقول :”
أن مجزرة ريف الساحل السوري في 7 آذار 2025 لم تكن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل جريمة موصوفة ومجزرة مدبرة نفذتها فصائل مسلحة تابعة لـ”الجيش الوطني السوري” الموالي لتركيا، وعلى رأسها فصيلا “السلطان سليمان شاه” و”أحرار الشرقية”، بغطاء تركي مباشر. ويؤكد حسو وجود تنسيق استخباراتي وعسكري بين تلك الفصائل والجانب التركي لتنفيذ هذه العملية ذات الأهداف الديموغرافية والسياسية، والتي استهدفت بشكل وحشي مدنيين عزل، معظمهم من أبناء الطائفة العلوية .
يختم حسو بالقول: “العدالة وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم، وكل من تورط في هذه الجريمة سيواجه المحاسبة” .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

إلى متى التسول ؟

الى متى سيبقى ابناء بيروت وأهلها يتوسلون القريب والبعيد ،الحاضر والغائب حتى يعاد بناء مسجد الحسنين رضي الله عنهما بعد ان هدمته الحرب المشؤومة والتي أصابت بيروت وأهلها في ارزاقهم...

ايران ستنغلق على مذهبها الشيعي ولن تضحي مقدماً من اجل السنة !!

ايران ستنغلق على مذهبها الشيعي ولن تضحي مقدما لأجل السنة، والرأي العام الإيراني حاليا يخدم هذا التوجه، والصيحات تتعالى في طهران وباقي المدن ،للإعلان عن قنبلة نووية شيعية تحمي...

أيُّ دولةٍ تُريدون يا دولة الرئيس؟

مئاتُ الآلافِ من القتلى… وأضعافُ أضعافِهم من الجرحى والمصابين… وجيشٌ من اليتامى، و آخر من الثكالى… مدنٌ سُحِقَتْ أحجارُها، وشوارعُ كان يمرح فيها الصغار، فإذا بها...

بطاقتا الشرع حسمتا الأمر !!

دعوني أوضح لكم أمراً… هناك من لم يستوعب المشهد في الأيام الأولى من التحرير ، فظنّ أن هذه الحكومة جاءت من إدلب معزولة من قاعدة شعبية، وبنوا على هذا الوهم خططهم ومشاريعهم . فتناغم...

وجهة نظر متحفظة على زيارة الشرع للبيت الأبيض

ترامب استقبل الشرع بالبيت الابيض، لكن مبالغات مريدي الشرع معيبة. وايضا ما قاله المعارضون من مبالغة بنتائج البروتوكولات المنقوصة بلقاء الشرع ايضا مبالغ بها ومعيبة. 💥نقلت رويترز،...

غزة فى "كلمة ورد غطاها"!!

اولا : اكبر خطأ ارتكبته حركة حماس قبولها بخطة ترامب! الان سوف يبدأ نتنياهو عملية ابادة جديدة يقتل فيها 68 الفا أخرى!! ثانيا: طالما هناك زنزانة تنتظر نتنياهو تعدها له المحكمة...