ليست المشكلة في الحرب الأميركية–الإيرانية الراهنة أنها حرب بين قوتين كبيرتين فحسب. المشكلة الأخطر أن هذه الحرب تُخاض، بصورة متزايدة، فوق أراضي دول عربية، وفي أجوائها ومياهها ومضائقها، بينما يُطلب من هذه الدول أن تتحمل النتائج، من دون أن تملك بالضرورة قرار الحرب أو شروط السلام.
هنا يسقط السؤال التقليدي: من بدأ الحرب؟ ويحل محله سؤال أكثر قسوة: من يملك حق تحويل أراضي دولة عربية إلى قاعدة عسكرية؟ ومن يملك حق قصفها عندما تُستخدم تلك القاعدة في حرب لا تريدها الدولة المضيفة؟
في القانون الدولي، لا توجد إجابة بسيطة تصلح لكل الحالات. لكن توجد قواعد واضحة. فميثاق الأمم المتحدة يحظر استعمال القوة ضد سلامة الدول واستقلالها السياسي، ولا يفتح الباب إلا لاستثناءات محددة، أبرزها حق الدفاع عن النفس عند وقوع «هجوم مسلح». غير أن هذا الحق ليس شيكاً على بياض، ولا يمنح الدولة المعتدى عليها رخصة لضرب كل ما يقع على الخريطة قرب مصدر الهجوم.
لقد كانت محكمة العدل الدولية واضحة في قضية نيكاراغوا: ليس كل استعمال للقوة «هجوماً مسلحاً»، والدفاع عن النفس يخضع للضرورة والتناسب. وفي قضية منصات النفط، رفضت المحكمة عملياً منطقاً بالغ الخطورة: أن تتعرض دولة لعمل عدائي، فتقرر وحدها أن ترد على أهداف تختارها، ثم تطلب من القانون الدولي أن يكتفي بتسجيل روايتها.
هذه القاعدة تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. فوجود قاعدة عسكرية أميركية أو إيرانية أو لأي قوة أجنبية في دولة عربية لا يعني أن الدولة المضيفة أصبحت طرفاً في كل حرب تخوضها تلك القوة. السيادة لا تنتقل إلى القاعدة، والقاعدة لا تبتلع الدولة التي تستضيفها.
لكن الوجه الآخر للحقيقة لا يقل أهمية: لا يمكن لدولة أن تسمح باستخدام إقليمها في عمليات عسكرية ضد دولة أخرى، ثم تتصرف وكأنها لا علاقة لها بما يجري. فالقانون الدولي لا يساوي بين الاستضافة المحايدة والمشاركة الفعلية. هناك فرق بين وجود قوات أجنبية بموجب اتفاق دفاعي، وبين السماح باستخدام قاعدة محددة في هجوم محدد، وبين المشاركة في التخطيط والتنفيذ. وكلما اقتربت الدولة المضيفة من الفعل العسكري، اقتربت من المسؤولية عنه.
المشكلة أن القوى الكبرى اعتادت التعامل مع المنطقة العربية باعتبارها مساحة استراتيجية مفتوحة. القاعدة هنا، والمطار هناك، والميناء في مكان ثالث، ثم تبدأ الحرب في عاصمة بعيدة، لتسقط صواريخها فوق دولة لم تعلن الحرب على أحد. وعندما يأتي الرد، يصبح الإقليم العربي مرة أخرى «هدفاً مشروعاً» لأن قوة أجنبية موجودة فيه.
هذه ليست مجرد ثغرة في الجغرافيا العسكرية. إنها أزمة في مفهوم السيادة نفسه.
فإذا كانت القاعدة الأجنبية تجعل الدولة المضيفة هدفاً دائماً، فإن ملايين المدنيين في الدول التي تستضيف قواعد أجنبية يصبحون رهائن لقرارات عسكرية لا يملكونها. وإذا كانت القاعدة الأجنبية لا تعني شيئاً على الإطلاق، حتى عندما تستخدم فعلياً في شن الهجمات، فإن القانون الدولي يتحول إلى غطاء يسمح باستخدام أراضي الدول الأخرى دون أي مسؤولية.
لذلك، لا بد من التمييز. القاعدة العسكرية قد تكون هدفاً عسكرياً في ظروف محددة، لكن الدولة التي تقع فيها لا تصبح تلقائياً هدفاً. والهدف العسكري لا يبرر قصف المدن أو الموانئ أو محطات الكهرباء أو المنشآت المدنية المحيطة به. فالقانون الدولي الإنساني يفرض التمييز والتناسب والاحتياطات، حتى في أكثر الحروب قسوة.
أما في البحر، فإن الأزمة تصبح أكثر خطورة. مضيق هرمز ليس ملكاً حصرياً لأي قوة، ولا هو مجرد ورقة ضغط يمكن إغلاقها متى اشتدت المواجهة. وفي الوقت نفسه، ليس ممراً بلا سيادة. فالقانون الدولي للبحار أقام نظاماً دقيقاً: للدول المشاطئة سيادتها، وللملاحة الدولية حقوقها. ولا يجوز لأي طرف أن يحول المضيق إلى رهينة سياسية أو عسكرية.
لكن العالم لا يدفع ثمن الصواريخ وحدها. يدفع ثمن تهديد الملاحة، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب التجارة، والخوف الذي يسبق كل ناقلة نفط وكل سفينة تجارية. وهنا تكمن المفارقة: منشآت الطاقة قد تكون ذات أهمية استراتيجية، لكنها لا تصبح أهدافاً عسكرية لمجرد أن ضربها يوجع اقتصاد الخصم. فالضرر الاقتصادي ليس، في ذاته، «ميزة عسكرية مباشرة».
إن أخطر ما تكشفه الحرب الراهنة هو أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة: لم تعد الحروب تدور بين دولتين، بل بين شبكات من القواعد والتحالفات والممرات البحرية والجماعات المسلحة. دولة تقصف من أرض دولة ثالثة، ودولة ترد على قاعدة في دولة رابعة، وسفن تجارية تدفع الثمن، فيما تبقى الدول العربية التي يقع كل ذلك فوق أراضيها أمام خيارين كلاهما مر: إما أن تقبل بأن تصبح أراضيها منصات للحرب، أو أن تحاول منع ذلك فتدخل في مواجهة مع القوة الأجنبية الموجودة على أرضها.
هنا يجب أن يكون القانون الدولي أكثر وضوحاً، لا أكثر غموضاً.
لا يجوز أن يصبح «الدفاع عن النفس» اسماً قانونياً جديداً للحرب المفتوحة. ولا يجوز أن تتحول «استضافة قاعدة أجنبية» إلى انتحار سيادي مؤجل. ولا يجوز أن تصبح المضائق الدولية، التي تمر عبرها طاقة العالم، رهائن لقرارات القوى العسكرية الكبرى.
المطلوب ليس إلغاء حق الدفاع عن النفس، بل إعادة وضعه في مكانه الصحيح: حق استثنائي لوقف هجوم، لا حق دائم في توسيع الحرب.
والمطلوب أيضاً ألا تُترك الدولة المضيفة في المنطقة الرمادية: ليست طرفاً كي تملك قرار الحرب، وليست محايدة كي تحمي إقليمها، وليست محمية كي تمنع استهدافها.
إن القاعدة التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة بسيطة في صياغتها، لكنها صعبة في تطبيقها: كل دولة تستخدم إقليم دولة أخرى في الحرب تتحمل مسؤولية قانونية عن طبيعة هذا الاستخدام؛ وكل دولة ترد على ذلك الاستخدام تبقى ملزمة باحترام سيادة الدولة الإقليمية وقواعد الضرورة والتناسب.
أما ترك الأمور للقوة وحدها، فمعناه أن تصبح السيادة العربية مجرد خط مرسوم على الخرائط، وأن تتحول أراضي الدول العربية إلى ساحات حرب مستأجرة، تدفع شعوبها ثمن قرارات لا تُتخذ في عواصمها.
وهذا هو الخطر الحقيقي: ليس فقط أن تندلع حرب أميركية–إيرانية، بل أن يصبح الشرق الأوسط نفسه هو ميدان الحرب الدائم، بينما تتغير فقط أسماء القوى التي تقصفه.


