السبت، 7 مارس 2026
بيروت
10°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

عندما ينسحب الفاتيكان من مسرح «السلام» الدولي

رفض الكرسي الرسولي المشاركة في مؤتمر السلام الذي دعي إليه ليس تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل موقفٌ سياسيّ وأخلاقيّ مدروس يحمل دلالات تتجاوز حدود المؤتمر نفسه. فالفاتيكان، بما يمثّله من مرجعية روحية عالمية وثقلٍ دبلوماسيّ متراكم، لا يتعامل مع مبادرات من هذا النوع بمنطق المجاملة، بل بمنطق المعايير. وعندما يختار الغياب، فإنّه يوجّه رسالة صريحة مفادها أنّ الطرح المطروح لا يستوفي شروط السلام العادل كما يراها.

هذا الرفض يعني عمليًا سحب الغطاء المعنوي عن المبادرة. فوجود الفاتيكان في أي مؤتمر دولي يمنح الحدث شرعية أخلاقية ومصداقية إنسانية ويعزّز الثقة الشعبية به، أما غيابه فيتركه مكشوفًا أمام الرأي العام العالمي ويضعه تحت مجهر النقد السياسي والإعلامي. إنّ السلام الذي لا يقوم على العدالة، ولا يراعي حقوق جميع الأطراف، ولا يُبنى على التوازن والإنصاف، يتحوّل في نظر المرجعيات الأخلاقية الكبرى إلى مجرّد تسوية ظرفية أو ترتيب مصالح.

الرسالة الموجّهة إلى الجهة الراعية للمؤتمر ،واضحة في مضمونها وإن لم تُصَغ ببيان صدامي. السلام لا يُصنع بالضغط، ولا يُفرَض بقوة النفوذ، ولا يُختزل في اتفاقات تُوقَّع تحت عنوان الإنجاز السياسي. إنّ أي مقاربة تتجاهل البعد الإنساني، أو تسعى إلى تثبيت وقائع قائمة من دون معالجة جذور النزاع، إنما تؤسس لأزمة مؤجّلة لا لحلّ دائم. من هنا يبدو الموقف الفاتيكاني اعتراضًا على نمطٍ متزايد في السياسة الدولية، حيث تُقدَّم الصفقات بوصفها حلولًا، ويُسوَّق الاستقرار بوصفه بديلًا عن العدالة.

انعكاسات هذا القرار لا تقف عند حدود الصورة الرمزية. فالفاتيكان يمتلك شبكة علاقات واسعة ،وتأثيرًا معنويًا عميقًا، خصوصًا في أوروبا والعالم الغربي، ما يجعل موقفه عنصرًا مؤثرًا في إعادة تقييم بعض الحكومات لمقاربتها. وعندما تتراجع الشرعية الأخلاقية عن مبادرة ما، يتراجع معها جزء من زخمها السياسي، مهما بلغت قوة الجهة الداعية إليها.

إنّ هذا الرفض لا يمكن فهمه كرفضٍ للسلام، بل كرفضٍ لصيغة معيّنة من “السلام السياسي” الذي يتقدّم فيه منطق القوة على منطق الحق. إنه تذكير بأنّ السلام الحقيقي لا يُقاس بسرعة الإعلان عنه، بل بقدرته على الصمود، ولا يُبنى على موازين النفوذ وحدها، بل على الاعتراف المتبادل والكرامة الإنسانية. وفي زمنٍ تتكاثر فيه المؤتمرات وتتناقص فيه العدالة، يبدو الموقف الفاتيكاني أشبه بإنذارٍ أخلاقي للنظام الدولي، بأنّ السياسة إن فقدت بعدها القيمي تحوّلت إلى إدارة باردة للصراعات لا إلى حلٍّ لها.

إنّ ما جرى ليس خلافًا تقنيًا حول جدول أعمال، بل تعبير عن أزمة أعمق في مفهوم السلام ذاته. فحين تغيب العدالة، يصبح الاتفاق هشًّا، وحين يُهمَّش الإنسان، يفقد السلام معناه. وفي هذا السياق، يتحوّل الامتناع عن المشاركة إلى موقف دفاعي عن جوهر السلام، لا تعطيلًا له، وإلى تأكيدٍ بأنّ الشرعية الأخلاقية تظل عنصرًا لا غنى عنه في أي نظام دولي يسعى إلى الاستقرار الحقيقي.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...