الأحد، 8 مارس 2026
بيروت
14°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

عن مزاد ضرب إيران

قصة الضربة الأمريكية الجديدة لإيران ،تحولت عبر أسابيع إلى مزاد توقعات لا تنتهى ، واختلفوا حول موعد توجيه الضربة الموعودة ، بين من قالوا أنها ستحدث بعد ثوان أو خلال ساعات ، أو أنها لن تحدث أبدا ، أو أنه قد يجرى استبدالها إلى حصار بحرى طويل المدى لشواطئ إيران ، ومنع تصدير النفط الإيرانى إلى الصين ، والأقرب للظن عند كاتب هذه السطور ، أن الضربة إياها حادثة حادثة ، ولأسباب أهمها سلوك الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، الذى حشر نفسه فى الزاوية الضيقة ، وأفرط فى تصريحاته وتهديداته بتحطيم النظام الإيرانى ، وسوق المرشد الإيرانى “على خامنئى” إلى مصير مشابه لما جرى للرئيس الفنزويلى المختطف “نيكولاس مادورو” ، وأحاديثه الملتبسة عن سلاح أمريكى سرى حسم الأمر فى عملية “الحسم المطلق” بفنزويلا ، وشل الدفاعات الجوية للجيش الفنزويلى وقتل حرس “مادورو” فى غمضة عين ، ربما فى إشارة ظاهرة إلى الدفاعات الجوية الصينية والروسية فى إيران ، وأنها لن تنفع ولا تمنع اغتيال أو خطف “خامنئى” ، ثم راح “ترامب” يكرر تصريحاته عن تدفق الأساطيل الأمريكية إلى قرب إيران ، وتصعيده للضغط النفسى على قادة النظام الإيرانى ، وتأكيده القوة الكاسحة لحاملات الطائرات “إبراهام لينكولن” وأخواتها فى المنطقة ، وما يصحبها من مدمرات وغواصات وقاذفات شبحية وصواريخ “توماهوك” وغيرها ، إضافة لاستعدادات دفاعية هائلة فى دولة عربية مشرقية مجاورة لكيان الاحتلال “الإسرائيلى” ، بعد أن سارعت دول الخليج تباعا إلى إعلان عدم نيتها التورط بالحرب الجديدة ، وربما منع واشنطن من استخدام الأجواء والقواعد فى الخليج ، وهو ما رحبت به إيران على الرغم من عدم التأكد من الجدوى أو الفاعلية ، واستمرار “ترامب” فى مواصلة ألعابه الخداعية المكشوفة .
وقد لا يعقل أن تنخدع إيران هذه المرة أيضا ، فقد بدأت حرب يونيو 2025 ذات الإثنى عشر يوما فى اللحظة ذاتها التى كان فيها حديث أمريكى “ترامبى” عن استمرار التفاوض مع إيران حول البرنامج النووى ، بل وقبل 48 ساعة من جلسة تفاوض كانت مقررة بين مبعوث البيت الأبيض “ستيف ويتكوف” ووزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجي ، وهو ما يكرره “ترامب” هذه المرة أيضا ، ويواصل الادعاء بوصول رسائل ملحة من طهران تطلب التفاوض ، وهو ما نفاه “عراقجى” بوضوح ، ليس لأن طهران ترفض الحوار والتفاوض مع الأمريكيين من حيث المبدأ ، بل لأن إيران ليست مستعدة لتجاوب مع الشروط الأمريكية القطعية المعلنة ، وبينها وقف البرنامج النووى تماما ، وتسليم كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 60% أو أكثر ، وتجميد البرنامج الصاروخى ، وكلها شروط تعجيزية غير قابلة للتفاوض عليها من وجهة النظر الإيرانية ، والتسليم بها افتراضا ، يعنى ـ ببساطة ـ نهاية النظام الإيرانى من دون حاجة إلى طلقة نيران ، والنظام الإيرانى ليس غبيا ، ولا يبدو راغبا فى الذهاب لطريق الاستسلام ، ولا التفريط بمكاسبه المنظورة فى أزمة الأسابيع الأخيرة ، فقد نجح فى إخماد حرائق الاحتجاجات الشعبية الأخيرة وإن بتكلفة دموية باهظة ، وفى كشف بؤس توقعات “ترامب” الذى حرض المتظاهرين على احتلال مؤسسات الدولة الإيرانية ، وتحدث عن مساعدة أمريكية عاجلة لم تصل أبدا ، واحترقت آماله فى تأجيج انتفاضة إيرانية “مسلحة” تسقط نظام المرشد الإيرانى ، وراوغ نفسه وجمهوره بكلام مرسل عن توقف الإعدامات فى إيران ، على الرغم من أن مشانق إعدامات الجواسيس لم تتوقف ، وأحدثها إعدام “حميد رضا إسماعيلى” بتهمة التجسس لحساب الأمريكيين و”الإسرائيليين” .
وربما نجازف بتوقع فشل الضربة الأمريكية “الإسرائيلية” الجديدة ، على الرغم من التسليم بوصول الحشد العسكرى الأمريكى إلى منتهاه فى المنطقة ، وافتراض راجح بإمكانية حدوث وتوالى مفاجآت حربية ، واستخدام أسلحة أمريكية فتاكة جديدة ، وتدبير ونجاح عمليات اغتيال لمسئولين عسكريين ومدنيين وعلماء إيرانيين كبار ، بينهم قادة نجوا من الاغتيالات فى حرب الإثنى عشر يوما ، إضافة لاحتمال حدوث قصف شبه نووى ، قد يطال مواقع وقواعد إضافية فى “بارشين” وغيرها ، ومن دون توقع لتحقيق الضربات المستجدة لأهدافها كاملة ، فلن يسقط النظام الإيرانى غالبا حتى لو اغتالوا المرشد ، وللنظام قاعدة شعبية مؤثرة لاتزال على الرغم من تعدد وتكاثر فئات المعارضين والمتمردين لأسباب عرقية واجتماعية ، ووجود اختراقات استخباراتية مفزعة ، وإمكان حدوث “عمليات كوماندوز” أمريكية خطيرة بتواطؤ محلى من الداخل الإيرانى ، وكل ذلك ونحوه قد لا يفيد كثيرا فى الحالة الإيرانية ، ما دام الغزو البرى الأمريكى الواسع ليس واردا ، ويخشى “ترامب” تكلفته الدموية على الأمريكيين ، فلم ينجح أى غزو أمريكى أبدا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، وكانت النتائج المرئية خسرانا مبينا لأمريكا من “فيتنام” حتى “أفغانستان” ، وحتى فى حرب العراق ، التى ذهب حصاد الغزو الأمريكى فيه لصالح إيران أكثر من واشنطن ، التى لا تزال تعانى من تضخم النفوذ الإيرانى فى العراق إلى اليوم ، على طريقة إعلان “ترامب” مؤخرا رفض ترشيح “نورى المالكى” لرئاسة وزراء العراق مجددا ، و”ترامب” يفضل الاعتماد الأمريكى على تكتيك الضربات السريعة الخاطفة بديلا عن الحروب الطويلة المعقدة ، وهو على الأرجح ما سيفعله مع إيران هذه المرة أيضا ، ربما على نحو أقرب لما جرى فى حرب الإثنى عشر يوما ، التى بادر “ترامب” إلى وقف نيرانها ، ولجأ للتعامى عن نتائجها الفعلية ، وإطلاق تهويمات ودعايات مكذوبة ، وأعلن عن محو البرنامج النووى الإيرانى فى عملية “مطرقة منتصف الليل” ، ثم بعد أن أعلن محو البرنامج ، يعود بعد شهور للمطالبة بوقف البرنامج الذى أعلن محوه بالكامل (!) .
ويبدو أن لعنة الكذب لا تتوقف عن ملاحقة “ترامب” ، حتى بعد تباهيه بمحو نظام “مادورو” بعد عملية الخطف الهوليوودية ، فقد عادت تقارير المخابرات الأمريكية إلى التحذير من سلوك “ديلسى رودريجيز” التى تولت رئاسة فنزويلا بغياب قائدها “مادورو” ، وكرر وزير الخارجية الأمريكى “ماركو روبيو” التحذيرات نفسها ..وتوالت الاتهامات على الرئيسة الجديدة ، التى أشاد بها “ترامب” مرات ، وأثنى على طاعتها الحرفية لأوامر واشنطن ، بينما تشكو الدوائر الأمريكية من تباطؤ “رودريجيز” فى تنفيذ أوامر قطع العلاقات مع روسيا والصين وحتى إيران ، وشئ من خيبة “ترامب” الواردة فى فنزويلا ، بدا قابلا للتكرار الملموس فى قضية جزيرة “جرينلاند” القطبية الشمالية ، فقد أعلن مرارا وبصخب عن هدف الاستحواذ على كامل “جرينلاند” بالغزو العسكرى أو بالشراء ، ورفع عروضه المالية من مئة ألف لكل مواطن فى الجزيرة إلى مليون دولار ، ورفض أهل الجزيرة ـ 57 ألف نسمة ـ كل عروض واشنطن المالية ، وفضلوا الإبقاء على وضعهم الحالى المرتبط بالدانمارك على اكتساب الجنسية الأمريكية ، وكانت محصلة تهديدات “ترامب” وإغراءاته مخيبة لظنونه الأولى ، فقد أدت تصريحاته المستفزة إلى غضب طافح فى الدانمارك ،وعند حلفاء واشنطن الأوروبيين ، وبما اضطره إلى قبول عروض أقل كثيرا مما رغب فيه وأعلنه بثقة مفرطة ، قوامها أن تبقى السيادة فى “جرينلاند” لأهلها وحكومتها ودولة الدانمارك ، ومقابل توسع إضافى فى النشاط العسكرى الأمريكى على أراضى الجزيرة الثلجية الواسعة ، وهو ما لا يؤسس لوضع انتقال السيادة الذى طلبه “ترامب” ، الذى اضطر لسحب تهديداته بغزو الجزيرة ، وقبل اقتراح التوسع بتطبيق اتفاقية 1951 ، التى لا تمانع أصلا فى توسيع نطاق التواجد العسكرى الأمريكى فى سياق عمل حلف شمال الأطلنطى “الناتو” .
وإذا لم تنجح الضربة الأمريكية فى إسقاط النظام الإيرانى القائم ، فسوف يعد ذلك انتصارا مرجحا لإيران ، التى قد تنفذ تهديداتها بضربات صاروخية موجعة للكيان “الإسرائيلى” ، أو بالإغلاق المؤقت لمضيق “هرمز” ، أو بدفع حلفاء طهران فى اليمن أو فى لبنان لمهاجمة “إسرائيل” ، ولو جرى ذلك ستكون النتيجة هزيمة مدوية مضافة للأمريكيين ، وإسقاطا لاعتبار “ترامب” حتى فى الداخل الأمريكى ، خصوصا أن عهد رئاسته الثانية مهدد بفشل تتعاظم نذره ، فقد لا يفوز حزبه الجمهورى ـ على الأرجح ـ فى انتخابات التجديد النصفى المقبلة لمجلسى الكونجرس أوائل نوفمبر المقبل ، مع تزايد غضب الجمهور الأمريكى من تجاوزات وكالة الهجرة والجمارك ، ومن جرائمها الدموية كما جرى مؤخرا فى ولاية “مينيسوتا” وفى مدينة “مينيابوليس” بالذات ، إضافة لإخفاق “ترامب” الحاصل والمتوقع فى عملياته العسكرية الخارجية ، وفى حروبه التجارية العالمية ، وجولات معاقبة الآخرين بالزيادات الجنونية فى التعريفات الجمركية ، التى وصلت لذروتها فى المواجهة الاقتصادية والتجارية مع الصين ، التى استفادت من حماقات “ترامب” وفظاظاته فى التعامل مع حلفاء واشنطن التاريخيين ، وحققت الصين فائضا تجاريا في السنة الأخيرة فى التعامل مع أمريكا نفسها، بلغت قيمته 295 مليار دولار ، وفتحت أسواقا جديدة بلغ حجم تجارتها فيها إلى ثلاثة تريليونات دولار خلال عام 2025 ، وزادت فوائضها التجارية إلى 1200 مليار دولار ، ربما ببركة سياسات “ترامب” الخرقاء .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الوطن اولا امام مشهد التحولات

يحلم العدو الاسرائيلي بأن يصبح القوة العسكرية الاكثر تفوقا في منطقة الشرق الاوسط بلا منازع ويسعى لتحقيق أهدافه في الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية خاصة في غرب آسيا عسكريا...

العميد سمير راغب: واشنطن وقعت في “فخ الاستنزاف”.. ومقامرة ترامب تحولت لمواجهة مفتوحة على 6 جبهات

دخلت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منعطفاً خطيراً مع مرور أسبوعها الأول، حيث تبخرت وعود الإدارة الأمريكية بـ “عملية جراحية خاطفة”. وباتت المؤشرات الميدانية تؤكد أن الرئيس...

«اِزدِواجِيَّةُ الدَّمِ في لُبنان... لِماذا تُدانُ الصَّواريخُ ويُبَرَّرُ القَصْفُ؟»

في لُبنانَ، لَم يَعُدِ الخِلافُ السِّياسيُّ يَدورُ فَقَط حَوْلَ الخِياراتِ أو الاِستِراتيجيّاتِ، بَل أَصبَحَ الخِلافُ يَدورُ حَوْلَ تَعريفِ الحَقيقَةِ نَفْسِها. فكُلَّما سَقَطَ...

ترامب وخطط حرب اسقاط النظام في ايران

مع إغلاق مضيق هرمز، أصبح الصراع في الشرق الأوسط محورياً ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على صعيد السيطرة على الطاقة العالمية. فالممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من نفط...

ليس حِقداً فقط… بل مشروعٌ يُراد فرضه على حساب شُعوبنا

في كثيرٍ من الأحيان يُقال إنّ ما تقوم به “إسرائيل” في المنطقة نابعٌ من حِقدٍ عميق على الشعوب العربية. غير أنّ قراءةً أكثر هدوءاً وواقعية ،تُظهر أنّ المسألة أبعد من...

حرب "إسرائيلية"بجيوش أمريكية على إيران

ليس من شبهة شك فى دوافع الحرب الجارية بآلاف الغارات اليومية ضد إيران ولا فى أهدافها ، فعقب بدء الحرب صباح السبت 28 فبراير 2026 ، كان بيان رئيس وزراء العدو “بنيامين...